مجلس المحاسبة يكشف أسباب تعثر مشاريع التجهيز العمومي بسبع ولايات!
– توصية بمراجعة تنظيم المديريات بعد 10 سنوات من إنشائها
– نقص الموارد البشرية والمادية.. والميزانية تخصص للأجور بدل الفعالية
كشف تقرير مجلس المحاسبة لسنة 2025 اختلالات خطيرة في عمل مديريات البرمجة ومتابعة الميزانية بعد 10 سنوات من إنشائها، حولتها إلى هياكل شكلية عاجزة عن التحكم في مشاريع التجهيز العمومي، مع تسجيل تفريد مشاريع غير ناضجة، إعادة تقييم مبالغ فيها، وضعف شبه كلي في المتابعة.
وأكد المجلس أن هذه المديريات مطالَبة بمراجعة فورية لإطارها التنظيمي ومواردها، لضمان فعالية حقيقية في تسيير الاستثمار العمومي.
وانتقد مجلس المحاسبة في تقريره لسنة 2025 دور مديريات البرمجة ومتابعة الميزانية في التحكم في عمليات التجهيز العمومي، وكشفت أعمال الرقابة التي أجراها المجلس على مختلف البرامج استمرار نفس أوجه القصور في تسيير المشاريع المسجلة في إطار البرامج القطاعية اللامركزية والمخططات البلدية للتنمية.
وقام مجلس المحاسبة بعملية رقابة امتدت إلى سنوات 2022 وما قبلها، واستهدفت 7 مديريات ولائية، وهي تيبازة، المدية، عين الدفلى، سيدي بلعباس، وهران، ورقلة، سطيف، وشملت عمليات الرقابة الجوانب التنظيمية والإدارية، والموارد المخصصة لها، إضافة إلى تقييم مدى إنجاز المهام الموكلة إليها.
وكشفت نتائج التحريات عن وجود قصور من الناحية التنظيمية، وعدم ملاءمة الموارد المخصصة لهذه المديريات بالنظر إلى حجم المهام المسندة إليها، ما أدى إلى استمرار نفس أنماط ممارسة الأنشطة، رغم التغييرات المتتالية التي طرأت على الإطار التنظيمي ووصاية هذه المصالح.
وهكذا، أظهرت التحريات أن دور هذه المديريات بقي شكليا من دون تأثير فعلي، سواء في مرحلة التحضير وتسجيل عمليات التجهيز العمومي أو في متابعة تنفيذها.
ولفت المجلس انتباه السلطات العمومية إلى وضعية هذه المصالح الخارجية لوزارة المالية، بعد أكثر من عشر سنوات من إنشائها، والحاجة إلى مراجعة إطارها التنظيمي وتعزيز مواردها، لاسيما في ظل دخول الإطار الميزانياتي الجديد حيز التنفيذ، الذي أقره القانون العضوي رقم 18-15 المؤرخ في 02 سبتمبر 2018 والمتعلق بقوانين المالية، المعدل والمتمم.
هذه هي التجاوزات المسجلة
وأبرزت رقابة مجلس المحاسبة جملة من الاختلالات الجوهرية التي تحد من فعالية مديريات البرمجة ومتابعة الميزانية للولايات، وتؤثر سلبا على التحكم في برامج وتجهيزات الاستثمار العمومي، سواء في مرحلة التسجيل أو التفريد أو المتابعة.
ومن بين هذه الاختلالات الدور الشكلي وضعف المساهمة في اقتراح المشاريع، حيث أكدت التحريات أن مديريات البرمجة ومتابعة الميزانية لا تمارس فعليا صلاحية اقتراح تسجيل المشاريع، رغم ما ينص عليه المرسوم التنفيذي 11-75، إذ يقتصر دورها على جمع مقترحات القطاعات والبلديات وتجميعها وتحويلها إلى الوالي من دون دراسة معمقة لمدى نضجها أو مطابقتها لأحكام المرسوم التنفيذي 98-227، هذا الدور الشكلي حوّل المديرية إلى مجرد وسيط إداري، من دون مساهمة حقيقية في تحسين نوعية المشاريع المقترحة.
كما تحدث التقرير عن تفريد مشاريع غير مكتملة النضج، حيث سجل المجلس قيام عدد من المديريات، من بينها مديرية ولاية المدية، بإعداد مقررات تفريد لعمليات لا تستوفي الشروط القانونية، بالاعتماد على بطاقات تقنية شكلية فقط، ورغم أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق الآمرين بالصرف، إلا أن مساهمة مديريات البرمجة في معالجة هذه الملفات من دون تدقيق كان من الممكن أن يمنع العديد من الاختلالات، مثل إعادة التقييم المتكررة، تضخم التكاليف، بل وحتى إلغاء مشاريع بعد تسجيلها.
وسجل تقرير مجلس المحاسبة ارتفاعا مقلقا في قرارات إعادة التقييم والتعديل، حيث بلغ عدد قرارات التعديل وإعادة التقييم بمديرية المدية مثلا 2058 قرارا، منها 1563 لتعديل هيكلة الكلفة، و454 لإعادة التقييم، و41 للإلغاء، أغلبها ضمن البرنامج القطاعي غير الممركز، كما سُجلت أرقام مرتفعة في ولايتي عين الدفلى وتيبازة، ما يعكس ضعف دراسة المشاريع عند التسجيل وسوء التقدير المالي الأولي.
دراسة سطحية لطلبات إعادة التقييم
ومن أخطر النقائص المسجلة، غياب الدراسة الفعلية لطلبات إعادة التقييم من طرف المديريات، إذ تكتفي باستلام الملفات وتحويلها إلى الوالي، ثم إلى وزارة المالية، من دون تحليل للتقدم المادي والمالي أو مدى احترام التشريع، لاسيما المادة 24 مكرر من المرسوم التنفيذي 98-227.
وقد أدى هذا السلوك إلى إعادة تقييم مشاريع لم تسجل استهلاكا فعليا، أو لم يتجاوز فيها معدل الاستهلاك 50 بالمائة، بل أحيانا أقل من 5 بالمائة، مع تسجيل زيادات كبيرة في رخص البرامج من دون مبررات تقنية أو مالية مقنعة.
كما تحدث التقرير عن متابعة ضعيفة لإنجاز المشاريع، إذ رغم أن النصوص التنظيمية تكلف مديريات البرمجة بمتابعة إنجاز المشاريع غير الممركزة، إلا أن هذه المتابعة تبقى شكلية ومحدودة في الجانب المالي فقط، بسبب غياب إطار تنظيمي يفرض تبادل المعلومات مع أصحاب المشاريع والمراقبين الماليين والمحاسبين العموميين، فضلا عن عدم امتلاك هذه المديريات وسائل قانونية تلزم المتدخلين بتزويدها بالمعطيات الضرورية، ما يجعل المتابعة غير مكتملة وغير فعالة.
غموض الصلاحيات وغياب التفويض
وأظهر المجلس تناقضا واضحا بين المرسوم التنفيذي 11-75 والقرار الوزاري المشترك لسنة 2011، حيث يمنح الأول صلاحيات اقتراح فعلية، بينما يفرغها الثاني من محتواها. وقد أدى هذا الغموض إلى أداء مهام من دون صلاحيات واضحة أو تفويض رسمي، حتى على مستوى رؤساء المصالح والمكاتب، ما يصعّب تحديد المسؤوليات ويضعف الرقابة الداخلية.
وسُجل غياب تام لإجراءات مكتوبة تخص تسجيل المشاريع، التفريد، إعادة التقييم والمتابعة، إلى جانب غياب بطاقات مناصب تحدد المهام والصلاحيات، حيث تتم معالجة الملفات بناءً على تعليمات شفهية وممارسات متوارثة، وقد يتولى نفس الموظف جميع مراحل المشروع، وهو ما يتنافى مع مبدأ الفصل بين المهام ويُضعف آليات الرقابة.
كما كشف المجلس أن أكثر من 92 بالمائة من ميزانية التسيير مخصصة للأجور، ما يترك هامشا ضئيلا للتكوين، والتنقل، والوسائل اللوجستية، ونظم المعلومات. وتعاني المديريات في المقابل من تركيبة بشرية غير ملائمة، تهيمن فيها الأسلاك المشتركة والعمال المهنيون، مقابل نقص حاد في الإطارات التقنية المتخصصة، إلى جانب ضعف التكوين ونظم المعلومات.
وسُجل غياب شبه كلي لبرامج التكوين، حتى بعد دخول الإطار الميزانياتي الجديد حيز التنفيذ سنة 2023، ما قد يؤثر على جودة تنفيذ الإصلاحات المالية، فضلًا عن أن الأنظمة المعلوماتية المستعملة تبقى مشتتة وغير مدمجة، مع تدخل محدود لمكاتب الإعلام الآلي، ما يعقّد التحكم في تدفق المعلومات.
وعلى ضوء ما سبق، أوصى مجلس المحاسبة بتكييف الإطار التنظيمي الذي يحكم تنظيم وعمل مديريات البرمجة ومتابعة الميزانية للولايات، على ضوء القانون العضوي رقم 18-15 المؤرخ في 02 سبتمبر 2018 والمتعلق بقوانين المالية، إلى جانب وضع نظام معلوماتي ملائم وتوفير الموارد الضرورية لتمكين هذه المديريات من أداء مهامها بفعالية.
مديريات البرمجة: دورنا تنسيقي وليس لدينا صلاحيات
وفي ردّه على النقائص والملاحظات المسجلة، أكد مدير البرمجة ومتابعة الميزانية لولاية تيبازة أن الإطار التنظيمي لا يمنح مديريات البرمجة سلطة البت في اقتراح المشاريع، إذ تبقى هذه الصلاحية من اختصاص مديري القطاعات تحت إشراف وتحكيم الوالي، بينما يقتصر دور هذه المديريات على المرافقة والتنسيق وإعداد الملفات.
وأوضح أن مهامها تشمل السهر على مطابقة المشاريع مع مدونة الاستثمارات، وضمان نضجها عبر إعداد بطاقات تقنية واحترام التشريع الساري، لاسيما المرسوم التنفيذي 98-227. كما أشار إلى أن تأخر بعض المشاريع يعود إلى ضعف النضج، ونقص الوعاء العقاري، أو محدودية قدرات أصحاب المشاريع، مشددًا على أن تفريد العمليات لا يتم إلا بعد استيفاء الشروط القانونية والمالية والتنظيمية.
ومن جهته، أكد مدير البرمجة ومتابعة الميزانية لولاية المدية أن توزيع الموظفين يتم وفق احتياجات المصالح الأربع للمديرية، مع تحديد مهام دقيقة لكل مصلحة ومكاتبها، إضافة إلى مكتب الوسائل والتكوين التابع مباشرة للمدير.
وأوضح أن المتابعة الميدانية للمشاريع ليست من صلاحيات المديرية طبقًا للمرسوم التنفيذي 11-75، إذ يقتصر دورها على متابعة الميزانية وإبداء الرأي داخل لجان التحكيم القطاعية والمحلية، بينما يعود القرار النهائي إلى الوالي، مشددًا على أن دور المديرية في اقتراح المشاريع يبقى شكليًا وتنظيميًا، ويركز على مرافقة القطاعات، وشرح المذكرة التوجيهية، وضمان مطابقة الطلبات للتشريع والتوجيهات المالية السارية.