محاكمة الأطفال في سن العاشرة تثير حفيظة الجمعيات
قررت الجزائر تخفيض المسؤولية الجزائية عند الأطفال من سن 13 سنة إلى 10 سنوات، باقتراح من وزارة العدل التي أدرجت مادة جديدة في قانون العقوبات المعدل تحمل رقم 49 تحّمل الأطفال في سن العاشرة مسؤولية ارتكاب أي فعل يعاقب عليه القانون، حيث يتعرض الأطفال إلى المحاكمة والعقوبة التأديبية في مراكز إعادة التربية، وهم الأمر المنافي للقوانين الدولية، ما أثار استغراب الجمعيات الطفولية في الجزائر والتي طالبت بضرورة إعادة النظر في هذا القانون الذي وصفته بـ”الجريمة في حق الطفولة”.
انتقدت الشبكة الجزائرية للطفولة “ندى” المادة 49 المعدلة في قانون العقوبات الأخير، ووصفتها بـ”النقطة السوداء والتراجع الرهيب في مجال حقوق الطفل”، حيث أكد رئيس الشبكة عبد الرحمان عرعار لـ”الشروق” أن القانون القديم كان يحدّد المسؤولية الجزائرية للأطفال في سن الـ 13 عاماً، ومعنى ذلك أن الطفل دون سن الـ 13 لا يعاقَب وغير مسؤول في نظر القانون مهما كان حجم المخالفة والجريمة التي ارتكبها، وهذا ما ساهم حسب وزارة العدل، يضيف المتحدث، في استغلال الأطفال في الجريمة، ما دفع وزارة العدل إلى إدراج تعديل في قانون العقوبات بتخفيض المسؤولية الجزائرية للأطفال إلى 10 سنوات.
وفي شرحه لمعنى المسؤولية الجزائية، أكد عرعار أن الطفل في سن العاشرة فما فوق يعاقب على أي فعل أو مخالفة أو جريمة قد يرتكبها، بعرضه على محاكة خاصة بحضور مختصين في مجال الطفولة ونفسانيين، حيث يتعرض الطفل إلى المساءلة والمحاكمة من طرف قاضي الأحداث، الذي قد يسلط عليه عقوبات تأديبية تتماشى مع حجم الجريمة التي ارتكبها.
وأضاف المتحدث أن قانون العقوبات المعدل صدر في الجريدة الرسمية نهاية سنة 2013، كان بمثابة الانتكاسة في مجال حقوق الأطفال، ما دفع شبكة “ندى” إلى القيام بحملة تحسيسية لضرورة مراجعة المادة 49 من القانون ورفع المسؤولية الجزائرية عند الأطفال من 10 إلى 13 سنة، وهذا ما رفضته وزارة العدل، ووافقت على الإبقاء على سن العاشرة مع تخفيف العقوبات الجزائية على الأطفال دون 13 سنة بإحالتهم على التأديب في مراكز خاصة.
وأكد عرعار أن قانون الطفل الجديد الذي عرض على مجلس الحكومة لمرتين يحمل تعديلا لهذه المادة، غير أن هذا القانون أحيل على لجنة خاصة بهدف إعادة صياغته وتعديله، وهذا ما لقي رفضا وانتقادا كبيرا لدى الجمعيات الطفولية التي كانت تنتظر نزول هذا القانون إلى البرلمان وليس “خزنه” في لجنة خاصة ستحيله إلى المتحف، ودعا المتحدث الحكومة إلى ضرورة تمرير قانون الطفولة الجديد على البرلمان والمصادقة عليه في أقرب وقت ممكن بهدف تثمين حقول الأطفال في الجزائر التي تعرف فراغا رهيبا في هذا المجال.
ومن جهتها، أكدت رئيسة شبكة “وسيلة” للدفاع عن المرأة والطفولة الدكتورة رقية ناصر لـ”الشروق” أن قانون العقوبات المعدَّل يُعتبر بمثابة الجريمة في حق الطفولة، متسائلة “كيف يمكن للقاضي أن يحاكم ويعاقب طفلا عمره عشر سنوات لا يمكنه أن يدرك ويقدر الأمور؟”، وأضافت أن الدول الأوربية رفعت المسؤولية الجزائرية عند الأطفال إلى 16 سنة، كما حددت جميع الدول العربية سن المسؤولية الجزائرية للأطفال في سن الرابعة عشر، واستغربت لإقدام الجزائر على تخفيض هذه المسؤولية من سن 13 إلى 10 سنوات، وهذا ما يعتبر حسبها “تراجعا رهيب في مجال حملية الطفولة”.
وقالت المتحدثة إن الطفل في عمر 10 سنوات لا يزال عقله محدودا وهو لا يقدر الأمور ولا يمكن مساءلته أو محاكمته مثل الكبار، وتساءلت عن الجدوى من وضع الأطفال في هذا السن في مراكز إعادة التربية التي من شأنها أن تحطم مستقبل الأطفال وتشكل لهم عقدة وتدفعهم نحو الانحراف وتعطل مسارهم الدراسي؟ وطالبت المتحدثة الجمعيات الطفولية ضرورة الاتحاد من أجل المطالبة بتعطيل هذه المادة ورفع المسؤولية الجزائرية للأطفال إلى سن 16 سنة مثلما هو معمول به في أوربا.
وفي هذا السياق أفاد الأستاذ ابراهيمي كريم، محام معتمد لدى مجلس قضاء الجزائر، أنه كان من أشد المعارضين لهذه المادة التي ستتسبب في تحطيم الجانب النفسي والاجتماعي للأطفال، وأضاف أنه حضر بعض الجلسات الخاصة لأطفال عُرضوا على قاضي الأحداث في سن العاشرة وهم يحملون في أيديهم لعبا وكانوا يضحكون في وجه القاضي وهم عاجزون على فهم الأسئلة التي كانت تطرح عليهم وإدراك أبعادها، وأضاف أنه رافع في قضية قتل بالخطإ تورط فيها طفل عمره 11 سنة، كان يلعب مع صديقه ودفعه من أعلى السلم فأرداه قتيلا، ما دفع عائلة الطفل إلى محاكمة الطفل الذي عُرض على قاضي الأحداث فأصدر في حقه عقوبة قاسية تمثلت في تحويله إلى مركز إعادة التربية لإعادة محاكمته بعد سنتين، وهذا ما أثار غضب عائلته التي لجأت إلى الجمعيات الطفولية من أجل إنقاذ ابنهم من مراكز إعادة التربية التي من شأنها أن تحطم مستقبل الطفل.