-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

محمّد ابن الخوجة (الكمال)

محمّد ابن الخوجة (الكمال)

أجهل الناس بعلمائهم ومفكريهم هم نحن الجزائريين، وقد يُلام من يهتم بهم، فقد علق أحدهم، رمز إلى اسمه بـ “الحائر”، على مقال لي لامني على اهتمامي بعلماء الجزائري، ولو كان على شيء لما رضي لنفسه أن يكون “حائرا”!

أنا أحمد اللّهعز وجلوأشكره أن جعلني من المهتمين بعلماء الجزائر، فبفضلهمبعد فضل اللهبقي الإسلام واللغة العربية في الجزائر، وأنا أؤمن أن العلماء هم أوتاد الشعوب كما أن الجبال أوتاد الأرض، أولئك يثبتونها أن تحيد، وهذه تمسكها أن تميد.

وأذكر اليوم بعالم من علمائنا، سيمرّ في شهر سبتمبر القادم قرن على انتقاله من الفانية إلى الباقية، داعيا أن تنظم هيئة من الهيآت ملتقى وطنيا للتعريف به وبأفكاره، حتى لا تكون حاله كحال الشيخين عبد القادر المجاوي وامحمد ابن يوسف طفيش اللذين توفاهما الذي يتوفى الأنفس في العام 1914، ولكن ذكرى وفاتهما المئوية مرت دون أن يهتم بهما أحد، إلا جامعة غرداية التي عقدت ملتقى عن الإمام اطفيش لم يُغطّ التغطية اللازمة.

لم يقدر اللهعزو وجلللشيخ محمد ابن الخوجة عمرا طويلا، فقد ولد في العام 1864 والتحقت ورقاؤه في 9  / 9 / 1915، (ذكر الشيخ عبد الرحمان الجيلالي أن الشيخ توفاه الله في 18 / 8 / 1915، وهو خطأ)، فقد عاش واحدا وخمسين عاما.

ترك الشيخ محمّد ابن الخوجة أفكارا طيبة، وآراء قيمة، بثها في الناس عبر خطبه في جامع سفير بمدينة الجزائر، وعبر كتبه التي منها ما كان فيه من السابقين ككتابه المسمىالاكتراث لحقوق الإناث” (1895)، وكتابهإقامة البراهين العظام على نفي التعصب الديني في الإسلام” (1902).

وكتابهتنوير الأذهاب في الحث على التحرز وحفظ الأبدان، (1902).

إن أجل عمل أنجزه الشيخ محمد ابن الخوجة هو إشرافه على تحقيق ونشر تفسير الإمام عبد الرحمن الثعالبي المسمىالجواهر الحسان في تفسير القرآن، وقد حققهفي أربعة أجزاءبمقابلته على سبع نسخة، وملحق لغوي، وذكر الشيخ نفسه أنه ترك بعض المخطوطات، نرجو أن يعثر عليها، وأن تخرج إلى الناس.

يعتبر الشيخ ابن الخوجة ونظراؤه مثل المجاوي، وابن سماية، واطفيش، وعمر ابن قدور، وابن شنب حلقة وسطى بين الجيل الذي قبله وشاهد الاحتلال الفرنسي الصليبي البغيض، وتدميره البنية الحضارية للجزائر؛ وبين الجيل الذي بعده الذي قاد الحركة الإصلاحية المنظمة، ممثلة في جمعية العلماء.

إن هذا الجيل الوسطي، وإن عمل بعضه تحت السلطة الفرنسية إلا أنها لم تستحوذ عليه حتى يقول كما قال غيرهم ممن آثروا العاجلة وذروا الآجلة، وكان شعارهمأمّنا باري (باريس) احفظها يا باري)”.

لقد كان الشيخ ابن الخوجة أحد أعضاء الحركة الإصلاحية المتأثرة بأفكار الإمامين جمال الدين ومحمد عبده، وقد كان ابن الخوجةمن أخص العلماء الذين لازموا الشيخ (محمد عبده) طوال إقامته بالعاصمة (1903) لا يفارقه ليل نهار، ٠الجيلالي، تاريخ الجزائر… 5 / 320).

لقد تخطى فكر الشيخ ابن الخوجة حدود الجزائر، وممن أعجبوا به باي تونس الذي منحه وساما، تقديرا له، وإشادة به، وقد تلقى الشيخ عدة تهان منها تهنئج الدكتور محمد ابن شنب، التي صاغها في قصيدة، ونشكر أسرة الشيخ ابن الخوجة التي أهدتنا نسخة من هذه القصيدة بخط الدكتور ابن شنب، والقصيدة مؤرخة بقسنطينة في 4 ذي القعدة سنة 1317 هـ وقد افتتح تلك القصيدة البالغة أبياتها 30 بيتا بقوله:

لاح برق من يسار        زاد قلبي في استعار

أودع القلب شرارا        ما وراه زند واري

ذهبت روحي شعاعا      عند اجتلاء الخمار

ثم يقول:

ما بقصدي حبّ بدر     لا غزال وجواري

إنما قصدي وسؤلي      مصطفى من خير دار

بحر علم حبر عصر      فاق أدهى ذي الديار

له نثر وقصيد            كل يوم في اشتهار

وسجايا قد تجلّت        خلتها شمس النهار

ذو أياد قد أعدّت          للغواني والضواري

مكرمات تتباهى        بكمال في اعتذار

هبة الله في أرض      زانها فخر الفخار

كم تعالى بسداد         عن جميع العار عاري

فتجلّى الصدر منه     بنياشين افتخار

واشكر الله تعالى     أبدا، فالسعد ساري  

لقد قال الشيخ محمد الخضر حسين الجزائريالذي صار شيخا للأزهرعن ابن الخوجة: “واجتمعنا بالعالم البارع الشيخ محمد بن مصطفى بن خوجة، فمدّ علينا من الملاطفة رواقا، وفتح علينا رياض أنس كانت مغلقة أبوابها إغلاقا، فنظم في سلك المسامرة فرائد، وأنشدنا من بنات أفكاره قلائد“.. (مجلة السعادة العظمى ع 19 20 في 16 شوال 1322. ص 301).

رحم الله الشيخ محمد ابن الخوجة، وجميع علماءنا الذين نصحوا لله ولكتابه ولرسوله ولجميع المسلمين، وجعل آثارهم صدقة جارية إلى يوم البعث.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • لطفي

    تحية طيبة للأستاذ الفاضل ، أرجو أن تكتب مؤلفا حول أعلام الجزائر ،يبقى مرجعا للأجيال يعرفهم بمآثر علماء الجزائر عبر الحقب.

  • بدون اسم

    لماذا لاتتكلم عن تحرير بيع الخمور

  • سامية

    بمثلك تعتز البلاد وتفخر وتزهر بالعلم المنير وتزخر حياك الله يا أستاذ وجزاك عنا حسن الجزاء فانت تنورنا بمعرفتك الواسعةوتساهم في الحفاظ على تاريخ هذه الأمة وحضارتها

  • merghenis

    بعح بحث طويل وجدت مقالا على الشبكة بعنوان :"الشيخ محمد بن مصطفى الخوجة أو المضربة ... العالم المصلح الجزائري المنسي" بقلم الأستاذ عبد القادرعزام عوادي ،نشر بتاريخ 2015/03/11 (قبل شهر).

  • الحضني

    مشكور اتاذنا الفاضل للاشارة فان كتاب الاكتراث في حقوق الاناث طبعته دار الخلدونية وقام بالتحقيق المرحوم الدكتور بن عبد الكريم الزموري ,

  • الوجدي

    التعليق مر والحسرة ﻻتفيد كل ما في الأمر هو العمل ومن البداية عندما لم يوفق المغرب في تنظيم كاس العالم بسبب نقص المنشآت عمد الى البناء وهو ما مكنه اليوم من التوفر علىمركبات جميلة هيا الى العمل ..

  • ابراهيم

    يا سعادة الدكتور ..إسمحلي ان أقول لهؤلاء المغفلين فوق الارض وتحتها ...الحمدلله رانا في الاستقلال والاّ راهم حركى مع الإستدمار...وبالمناسبة يا سعادة الدكتور ..أكتب لنا ونورنا من فضلك على المرحوم مولود قاسم نايت بلقاسم رحمه الله وأسكنه وجميع علمائنا في جنة النعيم.. رانا نستناو فيكم..وليلة سعيدة.

  • عبد العلي

    لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أولو الفضل والفضائل ..وبورك ياأستاذنا
    قلمك الجزائري الرصاصي ..
    ويرجو العبد الضعيف منكم أن تكون لكم كذلك إسهامات في تطو ير( قناة
    القرآن الكريم ) الجزائرية .. فإنها ما زالت تبدو متواضعة متململة ببرامجها
    و ضيوفها وديكواتها أمام الفضائيات المنافسة التي تخطف أبصار وبصائر
    المسلمين والمسلمات خطفا !!

  • حائر

    أنا كاين حاجة ما فهمتهاش لحد اليوم, لماذا كان في كل جيل من السابقين علماء و شعراء و أئمة يشهد التاريخ لهم أعمالهم النيرة, إلا أجيال هذا القرن فلا نرى منهم (اللهم إلا القليل القليل) من يملؤون الفكر و لهم من السمات ما توحي أن التاريخ سيذكرهم يوما ما كما ذكر الذين سبقوا.

  • عبد الله

    اين المجلات الثقافية? اين القنوات التلفزيونية التي تعني بشؤون العلم و الفكر و الفنون? اين الكتب و اين المكتبات?
    كيف نعرف علماءنا اذا كان الاطلاع على ما كتبوا و من كتب عنهم مستحيلا?! على كل حال نحن الجزائريون لا يهمنا ما تعلق بالروح و العقل كل همنا هو الكرش و ما تحت الكرش.
    اغلب الجزائريين لو علموا ان الجنة ليس فيها ما له صلة بالبطن و ما تحته سينفرون عنها كما ينفرون عن العمل و العلم رغم انهما عبادة. اما "ما لا عين رات و لا اذن سمعت" فلا اراه يستهوي الطبع الجزائري لان هذا الاخير يحب "الملموس"

  • omar

    على ذكرك لمسجد سفير في حي القصبة العتيق، ارجوك يا استاذ ان تبحث عن تاريخ احد شيوخه المعاصرين رحمه الله منذ 10 او 12 سنة، و هو الشيخ الدواخ وقد قيل فيه الكثير من الخير نتمنى لو تحدثنا عنه شيئ فهو كان اماما و كون الكثير من الائمة الحاليين و له نوادر تروى و كان لا يخشى في الله احد له كتب و تعليقات لكننا لا نعرف عنها شيئ لو تكرمت و اتحفتنا بشيئ عنه على سبيل التكريم

  • omar

    اذا اتتك مذمة من ناقص علم و ثقافة فتلك هي الشهادة لك بانك محيط و ملم بتاريخ وطنك و اغوار ثقافته، شكرا فمقالاتك تبعدنا عن لهو الحديث واصل و اتحفن لا جف قلمك ياستناذنا

  • جزائري مسلم

    والله يا شيخ قد لا يلام عوام الناس على جهلهم بعلماء بلادهم، ولكن يلام بلا شك الأئمة في مساجدنا، حتى أن منهم من نحسبه قد جاء من المريخ، أحدهم مرة قال لي ليس في الجزائر علماء، فبدأت أسرد له بعضهم فبقي حائرا وأنا أكثر حيرة منه لجهله.

  • redamob

    آمين...

  • سيف

    جميل

  • Mohamed BAB EL-OUED

    يا شيخ بارك الله فيك واصل في تثقيفنا بكتاباتك الرائعة ولا تلقي بالا للذين ينتقدون من أجل النقد .

  • مواطن

    للناس أذواق وكل في فلك يسبحون.لا تلومن من يؤاخذك على اختياراتك بل حاول أن تتحف كل راغب بما يشتاق من أعلام بلد ضاعت منه مناهله بفعل أحداث التاريخ وخاصة الفترة الاستعمارية التي تعاونت فيها يد الإجرام على إخفاء أسماء لامعة في مختلف الميادين وخاصة من جاهدوا بالقلم ضد تشويه ثقافة المجتمع الجزائري.لقد كان هؤلاء الأبطال نبراسا ضد التخلف والجهل والجمود الفكري والانحلال الخلقي وطمس الشخصية الجزائرية فتركوا لنا آثارا لامعة وإن كانت قليلة حافظت على استمرار حبل التواصل بين الأجيال في جميع المناطق دون تمييز.