مسارات البحث عن خليفة
الآن وقد حُسم الأمر لصالح فريق الرئيس بعد ترحيل الفريق توفيق، وتوحيد رأس الدولة، يُفترض أن تكون الطريق سالمة ومعبّدة لتنفيذ المشروع السياسي الذي عوق طوال ثلاث عهدات بإعادة هيكلة الدولة ونظام الحكم عبر تعديل واسع للدستور بات الآن ممكنا، ليس أمامه من معوقات تذكر.
ومع ذلك، فإن الخيارات تبدو قليلة أمام فريق الرئيس، والوقت ضيّق قبل موعد الرئاسيات القادمة، مع غياب بدائل ذات مصداقية لصناعة الخليفة، وبناء توافق حوله، واستقطاب أعوان من المشهد السياسي الذي تآكلت قواه، وسقطت مصداقيته عبر مسارات انتخابية مسيّرة عن قرب، كانت تديرها وتحسم نتائجها في الغالب دولة الظل الساقطة.
وكيفما كانت التعديلات الدستورية، فإن الطرف الذي خلا له الجو لصناعة الملك، لا يفتقر إلى المصنع وأدوات التعدين، بقدر ما يفتقر إلى المادة الخام، ذلك أن الصراع داخل النظام قد نجح في استهلاك البدائل الممكنة، وقد امتنعت عنه اليوم الفرصُ التي أتيحت له من قبل لجلب البدائل من قلب المؤسسة العسكرية، أو من مخزون جبهة التحرير التاريخية.
المؤسسة العسكرية بتشكيلتها الحالية لا تبدو راغبة في العودة إلى الواجهة، وليس من مصلحتها أن تجازف مرة أخرى وسط ظروفٍ محلية ودولية محفوفة بالمخاطر السياسية الأمنية والاقتصادية، وليس ثمة من فرصة لتمرير عهدة خامسة، وليس في قيادة الآفلان اليوم شخصية يمكن تسويقُها.
ومع هذا التصحّر الذي خلّفه الصراع بين الرئاسة ودولة “دي أر أس” وبلوغ المشهد السياسي سن اليأس، لم يبق لصانعي الملوك من خيارات ذات مصداقية سوى الأخذ بأحد المسارين:
الأول: مسار الاستقطاب من داخل السرايا لرجل يتمتع بمواصفات مقبولة من جهة الكفاءة والولاء، يمتلك بعض الفرص للتسويق الآمن في الداخل والخارج، وله قدرٌ من الخبرة في إدارة الدولة، وهو مسارٌ قد يتوقف سريعا عند طرق الباب الموالي لباب مكتب الرئيس، حيث وُضع السيد أحمد أويحيى مبكرا في الأمانة العامة للرئاسة للتهيئة وإعادة التأهيل.
الثاني: مسار الاستقطاب من خارج السرايا لرجلٍ له نفس المواصفات وخبرة مماثلة، قد يطمئن إليه النظام على الأقل من جهة الحاجة إلى من يلتزم في الحد الأدنى بعدم زعزعة استقرار نظام الحكم، والحفاظ على توازناته الهشة، ويكون له الاستعداد لمواصلة برنامج التحديث الناعم للدولة، وانفتاح النظام بالتقسيط المريح، وهنا أيضا لن يتأخر البحث كثيرا حتى يتوقف عند اسم واحد من خارج السرايا اسمه مولود حمروش، لم يعلق مثل منافسيه في المعارضة في وهم التعويل على كيان حزبي، ولا حتى في برنامج حكم مكتوب، بقدر ما انشغل برصد أخاديد الصّدع التكتوني الذي يوشك أن يخسف بالنظام والدولة والبلد.
ويكفي أن يطمئن النظام إلى واحدٍ من المسارين، فإنه لن يحتاج معها إلى ما احتاج إليه من قبل، من تجنيد فاضح لآلة استحلاب المسارات الانتخابية بتقنيات التزوير، بل يكفيه أن ينظم استحقاقا رئاسيا مفتوحا آمنا، تديره هيئة مستقلة غير معرّضة للطعن في نزاهتها، ليضمن فوز أحد المسارين، وأن يثق ولو مرة واحدة في رجاحة حدس الناخب الجزائري.