مصر تولد من جديد
من مدينة نصر ومن شبرا ومصر الجديدة والجيزة ومسجد عمرو بن العاص ومن كل انحاء القاهرة، تحركت المسيرات نحو ميدان النهضة أمام جامعة القاهرة تحت شعار “الشريعة والشرعية”. وفيما كان ميدان التحرير يعج بالتحرش والبلطجية والنشالين والسياسيين التقليديين من ماركسيين وليبراليين وقوميين والنظام السابق، حيث ترفع كل قبيلة رايتها بعد ان استنهضت بالإشاعات والتحريض كل ما يمكن استنهاضه.
مليونية منظمة، يتضح الترتيب فيها بدقة متناهية وبشعارات واضحة محددة، وبرايات مصر يتخللها علم فلسطين وهتافات للأمة ولفلسطين وللقدس الشريف، ويتضح فيها أن مصر كلها تخرج اليوم تطرح عنها كل العناوين الفوقية التي أرادوا ان يكتموا فيها أنفاس مصر وهوية مصر.. مليونية تعبر ليس فقط عن هوية مصر وانتمائها انما ايضا عن قدرة واقتدار المنظمين وأنهم أهل للحكم ولتسيير الأمور..
لكل بلد من بلاد العرب والإسلام قلب به يصلح أمره ويعتبر واقيا له من الاختراقات.. فلئن كانت العروبة في العراق واقيا وحاميا للاسلام والنهضة، فان الوطنية في الجزائر تحمي البلد وثقافته ودينه وأرضه، كما أن الحال في فلسطين يدور حول الرباط الذي يمزج بين الدين والوطنية، فإن مصر لا عاصم لها من الانهيار الا بالإسلام، فهو حامي وطنيتها وحامي عروبتها ومنشئ كرامتها وعزتها.. فلئن صمد العراق والشام عقودا من الزمن بدون ان يكون الاتجاه الاسلامي هو السائد فإن مصر تنهار بدونه.. ان مصر بدون الاسلام لا تصمد على اتجاه، وتصبح بلا دور ولا هوية..
والمصريون بلا تردد يشعرون انهم مجبولون بالاسلام وأن الاسلام اذا حضر فإن كل القيم والمثل العليا تحضر، ولا يستطيع الممصريون ان يتحركوا ليعبروا عن كرامتهم الا في ظل نهوض الاسلام بداخلهم.
من هنا تأتي هذه المليونية الكبيرة في القاهرة والصعيد لتعبر بدقة عن خوف الممصريين على الاسلام، وخوفهم من ضياع فرصتهم التاريخية بنيل الكرامة والعزة.. ورغم انهم لم يكونوا ليرفعوا في الأشهر السابقة اي من الشعارات التي تعبر عن إصرارهم على مسألة الشريعة فإنهم عندما أحسوا بأن هناك خطورة الانقلاب العلماني والليبرالي أسرعوا في الإفصاح عن عميق إرادتهم بأنهم مع الشريعة، كما انهم يحمون الشرعية.
لم يعد الأمر في مصر يقتصر على الإخوان المسلمين، ولا على السلفيين، او الجهاد والجماعة الاسلامية.. انما هو يتمدد ليشمل كل الطاقات الاسلامية والوطنية الصحيحة، بل والشارع البسيط المتدين بطبعه.
ان مصر تولد من جديد.. وها هو الشعب يمنح الفرصة كاملة لعملية الميلاد لخلع جلد الهزيمة ولإلقاء الوجوه الممجوجة جانبا.. لم يعد في مصر فرصة لمن يريد ان يتعامل مع ليفني او بن اليعازر، ولم يعد هناك فرصة لمن يروج للهولوكست، ولمن يتعاون مع احمد شفيق وسارقي أموال مصر أو مع ضاحي خلفان او اجهزة أمن دول الخليج.. ولم يعد فرصة الآن في مصر لبقايا الماركسيين الذين فتحوا خطوطهم مع الأمريكان، والانجي اوز، ولفلول النظام السابق، ولمن يريدوا ان يكسروا أرجل الفلسطينيين ويشتموا على شهداء الأمة وأحرارها.
مصر اليوم تولد من جديد، ولم يحدث في مصر قط عبر تاريخها ان تصدت للطغيان بمثل ما تفعل الآن.. فهي تجتاز التحديات واحدة تلو الأخرى، ومع كل انتصار نكتشف كم كانت مصر مغيبة عن الأمة وعن ذاتها.
إن عودة مصر لانتمائها وهويتها يعني مباشرة عودتها للأمة قائدة ورائدة.. فمرحبا بمصر الجديدة منحازة لأمتها ولفلسطين.