مع الجزائر ظالمة أو مظلومة!
“إن ضاقت بكم الدنيا اذهبوا إلى الجزائر.. ففيها تُعشق فلسطين حكومة وشعبا”.. مقولة شهيرة رددها المرحوم ياسر عرفات مناضلا وأبا، ولم تكن عبثا أو سلبا ولم يصدر بشأنها رد أو عيب.. وقد لا نضيف شيئا إن قلنا إن كل سكان المعمورة أجمعوا على حب الجزائريين واحتضانهم القضية الفلسطينية العادلة قلبا وقالبا، ولا يتقبلون كل ما يؤثر على “فلسطين” برمزيته وبرؤيته حتى رياضيا، وجزائري مدربا لا مهزوما بل على الدوام غالبا، ومن يحول منهم عن النهج يكون أولهم معاتبا. إذن فالشعب الذي لم يقهره ولم يطمس هويته “استدمار” غاشم يفوق القرن وما يربو عن الثلاثين حولا، فرنسا ومعها الحلف الأطلسي ليظل دون ملل أو كلل لحريته طالبا، ومقصد الجمهور الرياضي الجزائري “التلقائي” توافق مع وجود “الفدائي” الذي أضحى نظام بني صهيون لأرضه سالبا، وأمام الانتفاضة صار منه هاربا..
ثم الجميع يعرف الجمهور الرياضي الجزائري بأنه ذواق وذو مزاج، ولا يتردد في التعبير عما بداخله من اختلاج، فهي طريقته في الاحتجاج دون أن يكترث بما يسببه لغيره من إزعاج، حتى لو وضع ذلك لاعبين شبانا ومن معهم من كبار المسؤولين في إحراج، وأحيانا الخروج عن البرنامج المسطر وما خطط له في قاعة الإخراج لتوضع كليا في الأدراج ولو كانت نازلة من الأبراج أو منبعثة من سراج، زد إلى ذاك ما أوردته المدرسة الجزائرية من إنتاج!
ولما يجتمع هذان العاملان، احتضان في نفس الحين والأوان وبتثبيت المكان يحدث ما لم يكن في الحسبان.. حتى لو سلمنا بتشجيع “الفدائيين” من باب الاستحسان والامتنان بحكم عدم توفر السانحة مرة أخرى في هذا الزمان.. ما كان يتطلب الأمر من الجمهور الحاضر تكسير شوكة بل “كبرياء” لاعبين محليين من فئة الشبان، بالتصفير والاستهجان، متناسين ما حققه مؤخرا هؤلاء الأبطال الشجعان في “السنغال” في منافسة “الكان”.. ففلسطين على الرأس ولكن الجزائر سيان، فهل جزاء الإحسان بين الإخوان إلا الإحسان؟
سؤال بريء يطرح نفسه بإلحاح لمحاولة فهم وتفكيك هذا اللغز.. بعد إقدام مسؤولين على تنظيم سابقة كروية بكل مفاهيم الفرز، هل أضحى جمهور ملعب 5 جويلية الذي يمثل عنوانا ليوم يحمل دلالة “التحرر” بالرمز.. فبعدما سمي بالمحكمة الشعبية لإقالة المدربين باللمز، هاهي شلة منه تصفر ضد من يحملون الزي بألوان العلم الوطني وبالسب والشتم الحناجر تهتز؟؟
هل يُفهم من هذا التصرف نوع من التطرف أم هي رسالة مشفرة، والأكيد أنها لم تكن سلفا مدبرة أو ظنا في المعتقد أن الحالة مقررة بل “الدهماء” هي السائدة والمُسيرة.
وعلى النقيض من ذلك وفي الجهة الأخرى، فالإخوة في الضفة والقطاع وهم يتابعون المباراة الأخوية السابقة، ظلوا يرددون هتافات بحياة الجزائر حاملين علمي البلدين في صور ناطقة من أعالي أشجار باسقة كلها معبرة ومتطابقة.
وفي الجزائر العميقة أطلعتنا أخبار وبلغتنا صور عن أنصار يحضرون التدريبات بالحلويات والمشروبات للرفع من المعنويات ويتلقون من اللاعبين الوعود بتحسين المردود، وآخرون، بعد خسارة فريقهم، يؤمون قاعة المطار ليلاقوه بالورود، مفضلين الاعتراف بدل الجحود.