معلم حضاري وديني يطبع جبين الباهية
لم تقتصر أعمال الباي محمد الكبير، الذي حكم وهران من سنة 1792 إلى 1799 على اقتناء الكتب وإيفاد بعثات علمية لأجل الدراسة، بل كان له الفضل في تشييد معالم حضارية بقيت ضاربة في عمق التاريخ، ولازالت شامخة رغم عبث الزمن. ولعل أهمها بالنظر للرسالة التي كان يقدمها مسجد الباي “محمد الكبير محمد بن عثمان”، أو مسجد “الباشا” وهو مسجد أسس على التقوى، أسسه الشيخ “محمد بن عثمان الكبير”، بأمر من “الباشا حسن” من الجزائر العاصمة الذي يسمى اليوم باسمه، في سنة 1796 آواخر القرن 18. وهو أول مسجد تقام به صلاة الجمعة والصلوات الأخرى، بالإضافة إلى مساجد رئيسية أخرى بوهران منها: مسجد الداي، مسجد دار الفلاح.. وأول إمام للمسجد كان الشيخ سيدي “محمد الساني المهاجي”.
في سنــة 1792م ومباشرة بعد تحرير وهران من الاحتلال الإسباني، قام الباي محمد بن عثمان الكبير ببناء مسجد صغير يحمل اسمه، يكون مقبرة له ولأفراد عائلته بعد وفاتهم. وفي هذا الصدد يقول المؤلف الآغا بن عودة المزاري : ” … ولما طار خبر وفاته لأهل الجزائر سنة 1799م بعثوا لابنه عثمان خليفته وهو أكبر أولاده بالمملكة، فركب فورا وحثَ السير إليهم حثيثا بعدما بعث أباه بوهران وأوصى على دفنه بالمدرسة التي بالموضع المسمى بخنق النطاح من وهران …”. بني هذا المسجد في سهل خنق النطاح إلى الشَرق من مدينة وهران القديمة على حوالي كيلومتر ونصف تقريبا، ولا يبعد كثيرا عن المنحدر الذي يشرف على البحر والميناء البحري شمالا، وقد بني على أرض سهلية منبسطة واسعة، خالية من العمران بعيدة كل البعد عن المدينة القديمة وهران بمسافة طويلة. وهو حاليا بموازاة شارع جبهة البحر الواجهة البحرية في شارع طرابلس قرب سوق ميشلي المخصص للخضر والفواكه، وتفصل بينه وبينها عمارات حديثة وشاهقة استحدثها الفرنسيون.
جاء تشييد هذا الصرح على شكل مستطيل، نصفه الشرقي قاعة متوسطة الحجم وشبه مربعة، ونصفه الغربي تتوسطه ساحة صغيرة بها نخلة وبعض الحشائش، وهي محاطة بسياج من الآجر ونافورة من المياه. وفي الزاوية الشرقية للقاعة توجد منارة متوسطة العلو ومربعة الشكل، ووراءها إلى الغرب بيت صغير اقتطع من القاعة الرئيسية يتخذه الإمام حاليا مقرا له ولإعداد خطبه ودروسه، وإلى يسار المنارة وبيت الإمام يوجد بيت متوسط الحجم في مقدمة المسجد شرقا به حاليا آثاث قديم ويعتقد أنه كان مثوى وقبرا للباي محمد الكبير مؤسس المسجد، وفي مؤخرته توجد أماكن للوضوء يبدو أنها حديثة ولم تكن سابقا وهي موجودة في ناحيته الغربية. نلاحظ في هذا المسجد أثر العثمانيين على صنع المئذنة المتاخمة والمغطاة بالقرميد، ويزين مدخل هذا المسجد مجموعة من المنحوتات وآيات من القرآن الكريم بالخط الكوفي ومدخل المسجد على شكل الهلال وتحيط بالممر العديد من الأعمدة ويتزين بحوض لغسل الأرضية الرخامية البيضاء وهي مغطاة بقبة صغيرة.
وبـعد احتلال فرنسا للجزائر ودخولها إلى مدينة وهران سنة 1832م، حول العدو الفرنسي هذا الضريح أو هذا المسجد إلى مسكن تداول عليه عدد كبير من الأوروبيين ذوي الأصل الإسباني الذين أحدثوا بعمارته الدينية تغييرات كبيرة، وجعلوه مربطا للحيوانات، كما فعلوا بعديد المساجد الأخرى لإهانة الجزائريين المسلمين وإذلال دينهم الإسلامي وتدنيس مؤسساته المقدسة الطاهرة.
عرف مسجد الباي محمد الكبير كغيره من المساجد في الحواضر الجزائرية العديد من الإصلاحات والترميمات والتجديدات عبر الأزمنة المختلفة، ففي سنة 1930م تعرض هذا المسجد لبعض الترميمات والإصلاحات من الداخل والخارج أدى ذلك إلى تغيير المسجد وإزاحته بعض الشيء عن طابعه الأصلي القديم. وبـعد استقلال الجزائر أصبح مسجد الباي وعلى غرار المساجد الجزائرية الأخرى تحت رعاية وإدارة وزارة الشؤون الدينية التي تبنت مهمة إعادة الوجه الإسلامي إليها. وتم تصنيفه سنة 1952. وقد استفاد مسجد “الباشا” في الأربع سنوات الماضية من غلاف مالي خصص لترميم هذا الصرح الأثري المصنف وطنيا. ليعاد فتحه قريبا أمام المصلين.