مقاولة “داعش” لحرق “دين البداوة”
الإعدام المريع للطيار الأردني معاذ الكساسبة على يد “داعش”، يستوقفنا على مستويين أو أكثر، من جهة البشاعة التي حرص المنفذون على نقلها بتصوير هوليودي محترف، أو من جهة الرسائل الصريحة والخفية التي حرص تنظيم ”داعش” على إيصالها.
عملية الإعدام حرقا، أخرجت بتقنيات مسرحية عالية الدقة، وصفت الحرق في أدق مراحله، حتى إنه يخيل للمشاهد أنه محض تمثيل، لولا شواهد أخرى تثبت أن ما شاهدناه هو الحقيقة المروعة، لما يمكن لجماعة من الوحوش والكواسر البشرية أن تقترفه بدم بارد.
التسجيل يمتد على 23 دقيقة، يبدأ بصور لبوارج غربية في الخليج، مصحوبة بتعليق حول “الحملة الصليبية التي تستهدف المسلمين”، وينتهي بنشر قائمة بأسماء عشرات الطيارين الأردنيين تحت عنوان “مطلوبين أحياء أو أمواتا”، فيما تبدأ عملية حرق الطيار ابتداء من الدقيقة 16، وتنتهي عند الدقيقة 19 ونصف، بردم جثته تحت ركام من الحجارة.
اللافت أنه عند الدقيقة 18 و55 ثانية، وفي الوقت الذي كانت عملية الحرق قد بلغت أشدها، وجثا الطيار على ركبتيه، وبدأ يتفتت جلده، وتنبعث سوائل من جسده، في تصوير فائق الدقة، بُث في نافذة من التسجيل نص منسوب لشيخ الإسلام ابن تيمية يقول: “فأما إذا كان في التمثيل الشائع دعاءٌ لهم إلى الإيمان أو زجر لهم عن العدوان، فإنه هنا من إقامة الحدود والجهاد المشروع”.
الجانب المروّع في التسجيل لم يكن في عملية الحرق البشع التي شاهدنا ما هو أبشع منها في ملجأ العامرية ببغداد، لعشرات الأطفال وقد حرقتهم صواريخ طوماهوك الأمريكية، وفي ما نقل عن قصف النيتو للمدن الليبية، وفي ما أقدم عليه الصهاينة بحرق ثلاثة شبان فلسطينيين، بل شهدت البشرية ما هو أبشع على الإطلاق في محرقتي هيروشيما ونغاساكي لمئات الألوف من البشر، في بحر ثانية من الزمن، وليس بوسع “داعش” أن تتفوق على آلة القتل الغربية حتى قيام الساعة، إن كان ذلك هو الغاية من بث الشريط مع ما فيه من وحشية.
غير أن عملية الإعدام تستوقفنا عند ذلك الاستشهاد بقول منسوب لابن تيمية من جهة تبرير الإعدام بالحرق، وبوسعك أن تطالع بموقع “داعش” الرسمي على مقالة مطولة، أوردت أمثلة وأقوالا نسبت للصحابة عن جواز تنفيذ القصاص بجنس فعل الجاني، لأن التسجيل ينقل جزءاً من رسالة أوسع، تتصدر اليوم الخطاب الغربي، وحتى الخطاب العربي الرسمي، الداعي إلى مراجعة الميراث الفقهي الإسلامي، وتطهيره من النصوص “المنافية لحقوق الإنسان”، شهدنا نماذج منها في الإعلام الفرنسي الغربي، على خلفية عملية “شارلي إيبدو”.
يذكر القارئ كيف أن عرّاب الربيع العربي، عزمي بشارة، كان قد سارع في وقت مبكر إلى إلحاق نسب “داعش” بما أسماه بـ “دين البداوة”، في اختصار مفضوح يحمل “سلفية الخليج”، على الأقل الجزء الوراثي من جينوم “داعش” الإجرامي، تكون قد عدّلته بالشراكة، السلوكات الاستبدادية للبعث العراقي والسوري، والتزاوج بين الفكر الديني والسياسي، وفشل الدولة الوطنية والقومية والدينية والأثنية.
وهذا تحديدا ما تشتغل عليه اليوم دكاكين “الثينك ثانك” الأمريكية والغربية، وتساعدها “داعش” الأمريكية الصنع على إخراجه بهذه الصور المروِّعة، لأن الرسالة موجهة حصريا للمسلمين، تريد منهم أن يتطهروا من “دين البداوة”، وأن تكون البداية بحرق كتب ابن تيمية وميراث تلامذته، بل حرق الجزء الأكبر من الفقه الإسلامي؟