-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ملاحظات أولية عن مسلسل الإمام ابن باديس

ملاحظات أولية عن مسلسل الإمام ابن باديس

نشرت في يوم 31 جويلية من سنة 2003 مقالا في “الشروق اليومي” تحت عنوان: “وهو بسبق حائز تفضيلا”، علقت فيه على مسلسل “قاسم أمين”، الذي كان يعرض آنذاك على بعض الفضائيات العربية.. ومما قلته عن ذلك المسلسل: “ولولا بعض مظاهر التبرج الذي فاق تبرج الجاهلية الأولى لكان مسلسلا رائعا”، مع التحفظ على بعض أفكاره، وأشدت ببراعة الممثلين في تقمص أدوار الشخصيات التي يمثلونها، وارتكبت “جريمة” عندما قارنت بين أولئك الممثلين المثقفين وبين (ما) يسمى عندنا “ممثلين”، الذين يجعلونك تضرب رأسك على الحائط، أو تهشم التلفزيون لسوء أدائهم، وهجنة لغتهم، ورطانة ألسنتهم..

ومما قلته إنني “تمنيت دائما إنتاج مسلسلات عن شخصياتنا ذات التاريخ المجيد، والفكر الأصيل، ولكنني راجعت نفسي، ودعوت الله– وما أزال- أن لا ييسر ذلك، لأن “ممثلينا” سيشوهون تلك الشخصيات، وسيقزمونها، ويجعلون الناس يستقلونها، ولا يقدرونها حق تقديرها..” (انظر: أشعة الشروق للمؤلف… ص223-224).

وعندما قرأت أن فيلما ومسلسلا يجري تصوريهما عن الإمام عبد الحميد ابن باديس وضعت يدي على قلبي، خشية وقوع “جريمة” في حق الإمام، كتلك الجريمة الفاشلة التي استهدفت قتله في سنة 1927، وخلّدها “حسان الحركة الإصلاحية” محمد العيد آل خليفة بقصيدته الرائعة” حمتك يد المولى..”

أنجز الفيلم والمسلسل. لم أشاهد الفيلم، وما شاهدت إلا ثلاث حلقات أو أربعا من المسلسل، وما رأيته في تلك الحلقات جعلني “نندب حنكى”، وحكمت بالجزء على الكل.. وتحسرّت على ما ضاع من أموال في مسلسل أدعو أن لا تشتريه أية فضائية عربية حتى لا تشوّه صورة الإمام ابن باديس، وحتى لا يتأكد ظن إخواننا العرب من أننا “ما نعرفش عربي” أي أننا لا نعرف اللغة العربية.

إن أول ما لفت نظري في الحلقات التي “تعذّبت” برأيتها هو أن شخصية الإمام ابن باديس تبدو “ذابلة، خاملة”، في حاجة إلى من يهزها.. وتساءلت: أنّى لشخصية “شبه نائمة” أن توقظ الشعب الجزائري الغارق أكثره في بحر “الأفكار الميتة” وبعضه في محيط “الأفكار القاتلة”؟

إن الصورة التي رأينا فيها الإمام ابن باديس تناقض الصورة التي تحدث عنها لتلامذته من أمثال الشيوخ محمد الصالح ابن عتيق، وعمر بوعناني، وأحمد حماني، ومحمد الصالح رمضان، وعمار مطاطلة.. وغيرهم ممن أدركناهم، واستمعنا إليهم في مجالس خاصة أو محاضرات وندوات عامة.

ومما حدثني عنه الشيخ عمر بوعناني- الذي صار إماما في جامع كتشاوة- أن الشيخ الفضيل الورتلاني كان يبدو “خاملا” في أول عهده بدروس الإمام ابن باديس، وقد نبّهه الإمام إلى ذلك، فلما يجد التنبيه قبضه الإمام من مقدمة برنوسه وهزّه قائلا: “افطن”.. فصار الشيخ الفضيل بعد ذلك شخصا آخر، جراءة لسان، وشجاعة قلب، وسرعة حركة.. وكان الإمام يعجب بكل ذلك، ويقول له: “لمثل هذا كنت أحسيك الحسا”.

وأما اللحن في قراءة من “مثل” شخصية الإمام فكان كارثة بأتم ما في الكلمة من معنى، ولم ينج من هذا اللحن حتى سورة الفاتحة.. ولا تسأل عن “المجزرة” التي ارتكبت في الأبيات التي قالها الإمام، وهي “سينحل جثماني إلى الترب أصله..” وقد تخيلت أن الإمام قد اهتز في قبره احتجاجا على ما لحق أبياته الجميلة مبنى ومعنى من تشويه أذهب بهاءها، و”مرّر” عذوبتها.

ومن اللحن الذي نزل على أذني نزول مطرقة كبيرة، لو نزلت على صخرة قسنطينة لحطمتها تحطيما، وهشمتها تهشيما، ما ورد في آخر رسالة للإمام ابن باديس لأخيه الإمام الإبراهيمي (13 أفريل 1940) مهنئا له على موقفه الشريف الثابت، ومما جاء في رسالة الإمام “وبيّضت محياهما (العلم والدين) بيّض الله محيّاك..”، فانقلبت كلمتا “محياهما، ومحياك” (بضم الميم وتشديد الياء) إلى “محياهما ومحياك” (بفتح الميم والياء من غير تشديد). وشتان ما بين اللفظين من معنى.

في الحلقة الأخيرة من المسلسل ظهر والي قسنطينة الفرنسي وفوق رأسه صورة الجنرال دوغول، وهذا خطأ تاريخي، فدوغول في هذا التاريخ (أفريل 1940) لم يكن شيئا مذكورا، وما ظهر دوغول على مسرح تاريخ فرنسا إلا بعد تمرده على قيادة بلده في 18 جوان 1940. وحتى الصورة ترجع إلى تاريخ لاحق، أي بعدما صار الجنرال رئيسا لفرنسا بعد حوادث 13 ماي 1958. فالفرق بين الصورتين أكثر من ثمانية عشر عاما.

وددت لو أن في هذه الحلقة أشير إلى مناسبة قول الإمام ابن باديس: “والله، لو أن فرنسا طلبت مني أن أقول: “لا إله إلا الله” ما قلتها. وهي رواية منشورة، ونسبها الأستاذ محمد الميلي والشيخ شيبان إلى الشيخ العربي التبسي، وقد قالها له الإمام ابن باديس في قسنطينة قبل وفاته بقليل..

إن الأيام الأخيرة من حياة الإمام ابن باديس سجلها أقرب الناس إليه، وأعرفهم به، والأمين على أسراره الشيخ أحمد بوشمال، وقد سجلها في رسالة بعثها إلى الشيخ أحمد قصيبة في الأغواط.. ومما جاء في تلك الرسالة أن آخر درس ألقاه الإمام كان على النسوة يوم 3 ربيع الأول، ويوم 4 ربيع الأول ودّع طلبته لقضاء عطلة المولد النبوي الشريف، وحدّث الحاضرين بإعجاب عن موقف أخيه الإمام الإبراهيمي الذي أبى عليه دينه وشرفه ووطنيته أن يصدر بيانا يساند فيه فرنسا الملعونة في الحرب العالمية الثانية.. وفي يوم 6 ربيع الأول ترأس– ليلا- اجتماع مجلس صندوق الطلبة، ومكن له أربعة آلاف فرنك وصلته من الجزائر، وفيه كرر إعجابه بموقف الإمام الإبراهيمي… وفي يوم 8 ربيع الأول أتاه اليقين، ورجعت روحه إلى بارئها…

إن هذه التفصيلات ذات المعاني الجليلة لا وجود لها في هذه الحلقة الأخيرة.. ولست أدري إن كان المشرفون على هذا المسلسل قد اطلعوا على هذه الرسالة، وقد نشرتها في “الشروق اليومي” بتاريخ 23 ديسمبر 2002. وأعدت نشرها في كتابي “أشعة الشروق” الصادر في 2005، فـ “هلا سألوا؟”

وكانت الأبيات المصاحبة للحظات الأخيرة من حياة الإمام غير مناسبة، فهي ترجع إلى سنة 1938 بمناسبة الاحتفال بختم الإمام تفسير القرآن الكريم، وهي من قصيدة لشاعر الجزائر محمد العيد آل خليفة.. أما الأبيات المناسبة لآخر تلك الحلقة فهي قصيدة محمد العيد أيضا الذي أبّن فيها الإمام، وارتجلها على قبره، ومطلعها:

يا قبر طبت وطاب فيك عبير ** هل أنت بالضيف العزيز خبير؟

إن كثيرا مما جاء في هذه الحلقات يسيء إلى الإمام، ويشوه صورته.. ويبدو أن “القوم” استعجلوا إنجازه، لأمر هم أعلم به.. ولو تحروا أكثر لكان عملهم أكثر نضجا وأكمل، ورحم الله– عز وجل- من قال: 

ولم أر في الناس عيبا ** كنقص القادرين على التمام

أخشى أن يتم إنجاز فيلم الأمير المجاهد عبد القادر على طريقة فيلم “عطلة المفتش الطاهر” حيث فيه “الضحك واللعب”، أكثر مما فيه من المواقف البطولية، واللفتات الإنسانية النبيلة، والشعر الجميل، والقول الحكيم..

وأوصي من يتولون إنجاز هذا الفيلم– إن تم ذلك- أن يختموه بمقولة الأمير عبد القادر في دمشق للرحال الألماني هاينريش فون مالتسن: “السلطان أبوليون راجل. الفرنسيس لخرين الكل كلاب”. (هاينريش فون مالتسن: ثلاث سنوات في شمال غرب إفريقيا.

تعريف: أبو العيد دودو. ج1 ص261) والمقصود بالسلطان أبوليون هو الملك الفرنسي نابوليون الثالث، الذي أطلق سراح الأمير عبد القادر الذي وثق بـ “كلمة” فرنسا، و”شرفها”، إن كانت لها كلمة، وكان لها شرف..

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
14
  • aboukosayeldjazaeri

    العيب فييكم استاذ حين شغلتم عن هذه الامور ففتح المجال لاشباه المخرجين واشباح الممثلين ليعيثوا في تاريخنا واخلاقنا وعاداتنا فسادا . اناايضا شاهدت شيئا من احدى حلقات هذه الاهانة حيث الشيخ فيب المسجد يسمع قصائد التصوف التي ظل يحاربها.ختام الكلام اننا اشبه بسائق لا يحسن السياقة ومنح سيارة فارهة فقلبها لجهله فهلك وافسد

  • عباس

    عندما يتمكن الشعب الجزائري العظيم من صناعة الالبسة لسكانه و اقلام التلوين لاطفاله و يتمكن من تسيير مزابله حينئذ ربما ....

  • عبد القادر

    الامر بالمعروف اولا ثم النهي عن المنكر يا استاذنا الفاضل

  • جمال

    انا لم اشاهده ولن اشاهده فمن اول نظرة على الصورة اللقطة اعلاه من هذا المسلسل نجد هفوة المخرج والمصور على يسار الزرابي المعلقة حيث نجد ميزاب عصري للمياه مع ان هذه التقنية لم تكن مستخدمة قديما كان يوضع ميزاب على شكل افقي وليس عمودي ملاصق للحائط !!!!!!.

  • مواطن

    إلى المكلفين بهذا العمود
    بصفتكم كصحافين محترفين تنادون بحرية التعبير و تجاهدون من أجلها عندما تكون القضية تخصكم، لكن بالمقابل تمنعون ادراج تعليقات يقول أصحابها الحقيقة التي تزعجكم و تنشرون ذات اتجاه موالي لأفكاركم و عقيدتكم فقط
    لقد تقدمت بعدة تعليقات و لم تنشر علما انها تخلو من كلام مشين الأخلاق ولا سب و لا شتم
    لكن لانها حساسة و مرة تبين حقيقة العمل الجهوي و العنصري

  • الكاتب/ عبد الرحمن سرحان

    صدق كاتبنا الناقد. لقد بهدل بنا وأحرجنا الممثلون الجزائريون، ولا غرابة لم يتكونوا في مدارس التمثيل العالمية ولا المحلية هم مغامرون أنانيون وليست لهم شهادات علمية تؤهلهم لهاته الرسالة ولذلك لا يحسنون اللغة العربية ولا الهجة المحلية . إن مسلسلا تاريخيا اجتماعيا كمسلسل عبد الحميد بن باديس يجب أن يكون باللغة العربية الجميلة ولا بأس أن نستورد ممثلين من لبنان ومصر مادام أشباه الممثلين عاجزين .

  • العربي

    لقد قال ابن باديس رحمه الله:: شعب الجزائر مسلم والى العروبة ينتسب
    ونحن قلنا : شعب الجزائر امازيغي والى العولمة ينتسب

  • القارئ ياسن

    صراحة، والله ما اععجبني المسلسل
    خسارة بالنسبة للعلاّمة عبد الحميد ابن باديس الله يرحمو ويوسع عليه
    والله ما جابها هذاك أللّي مثّل دور المرحوم ابن باديس

  • بدون اسم

    أيضا أخطاء فاضحة في قراءة الأبيات الشعرية وكسرها عروضيا وتغيير ألفاظ فيها مثل "فكانت سلاما على البشرية" صارت "فكانت سلاما على الإنسانية" إضافة إلى بث قصيدة محمد العيد في مدح ابن باديس وذكر ختمه دروس التفسير بثت على أنها رثاء له وكان صوت القارئ متهدجا يطفح بكاء ... وإسقاط "كتاب الله" ختمت كتاب الله ختمة دارس ....

  • شاي

    يا حبذا لو يتم استشارة اساتذة تاريخ علم النفس و ادب و العلوم الاخرى ليكون اي عمل فني اقرب الى الواقع و انجح اقتصاديا و ماديا و يقدم صورة مشرفة عن الفن الاعلام التاريخية و ليس عدم اتقان و قلة صنعة في كل شيئ .

  • بدون اسم

    مااعرفه ان مثل هده المسلسلات التاريخية والدينية تعرض على نخبة من العلماء كما هو معمول به في مصر حيث تعرض على الازهر ليصحح الاخطاء ويقدم الملاحظات
    في بلادنا على الاقل كان على المخرج ان يعرض المسلسل على جمعية العلماء المسلمين لتجمع من له علم بابن باديس حتى ينظروا في هدا المسلسل ويصححوا مافيه من اخطاء ثم يزكونه فنتفرج عليه ونحن مطمئنون ولكن يبدو ان مخرجينا لايفرقون بين هده المسلسلات التي تحكي حياة شخصيات تاريخية وبين مسلسل يحكي حياة الجمعي فميلي مثلا

  • بدون اسم

    شكرا للاستاذ الحسني

  • عينك ميزانك

    السلطان أبوليون راجل. الفرنسيس لخرين الكل كلاب
    لا اعرف لكن هذا ليس كلام الامير عبد القادر
    لانه كان مهذب وصاحب اخلاق و فصيح النطق
    ان كان فعلا قد قالها فهو يقصد بها الحكام الفرنسيين
    الذين كانوا يسجنونه في تلك الفترة

  • سيدعلي

    السلام عليكم استاذ،
    أشعر بإنفطار كبدكم على المنتوج السنمائي الذي تناول حياة الشيخ عبد الحميد إبن باديس، رحمة الله عليه و على جميع منارات هذا البلد ، ولكن أرى انه كان من المناسب إلتماس بعض الاعذار للمبادرة أعلاه، منها: إندثار الصناعة السنمائية المحترفة في بلدنا ، قلة كتاب السيناريوهات ... و مستوى الممثلين إلخ)... نتمنى تدارك النقائص في الاعمال الفنية القادمة إن شاء الله... و يبقى هذا العمل فتحة خير لفتح الاصفاد عن تاريخ شخصيات وطننا المغيبة ، سواءا منها التي ركبت الموج و التي سبحت ضده .