من أجل قراءة إفريقية واعية للصمود الإيراني…
كيف يمكن للقارة الإفريقية أن تستفيد من التحول الجيواستراتيجي الكبير الحاصل اليوم في النظام الدولي؟ سؤال يتبادر إلى الذهن عند متابعة التحولات العالمية الناتجة عن الحرب الدائرة اليوم في الشرق الأوسط. لقد بيّنت هذه الحرب ثلاث مسائل رئيسة باتت مُحرّكة اليوم في العلاقات الدولية:
-الأولى: التأثير في العلاقات الدولية والنظام العالمي لم يعد حكرا على الدول الكبرى، بل باتت دولة نامية مثل إيران قادرة على لعب دور في هذا النظام من خلال حسن إدارتها للصراع وامتلاكها لعناصر قوة محلية يمكنها إحداث تأثير نوعي في قدرات الدول العظمى أو على الأقل إرباكها.
– الثانية: أن المواد الأولية مثل البترول والغاز والمعادن النادرة باتت اليوم تُحدِث تأثيرا مباشرا على الاقتصاد أكثر من ذي قبل خاصة إذا ما تم التحكم في جزء منها أو على الأقل التأثير في سلاسل التوريد التي تُنقل من خلالها إلى الاقتصاد العالمي. نموذج ذلك البترول والغاز (كمصدر للطاقة) ومضيق هرمز (كمتحكم في سلاسل التوريد).
-الثالثة: أن القوى الدولية باتت غير مستعدة للدخول في تحالفات مع بعضها البعض بسهولة كما في السابق، بل باتت اليوم أقرب إلى التخلي عن بعضها البعض لأجل تحقيق مكاسب اقتصادية أو جيوسياسية. وأفضل ما يجسد ذلك الرفض الأوروبي لدعم الولايات المتحدة في حربها على إيران برغم وجود أوروبا في معظمها ضمن حلف عسكري واحد معها (الحلف الأطلسي).
هذا الواقع الجديد في العلاقات الدولية من شأنه أن يضع القارة الإفريقية أمام سؤال جوهري: كيف عليها أن تعتمد استراتيجية دولية في المستقبل تجاه النظام العالمي القائم حتى وإن تم تنفيذ ذلك على صعيد كل دولة على حدة؟ وكيف يمكنها أن تنتقل من موقع المتأثِّر بالتغيرات العالمية التي تُحدثها قوى أخرى إلى موقع الفاعل في هذه التأثيرات؟
يبدو أن ما كشف عنه وضع قوة كبرى مثل الولايات المتحدة في حربها ضد إيران يعطي للدول الإفريقية كثيرا من الأمل للشروع في التحول إلى قطب دولي له تأثيره أو على الأقل لتتحول بعض دول القارة من موقع المتأثر سلبا بتداعيات النظام العالمي إلى موقع الفاعل.
إفريقيا تملك عناصر قوة أكثر من إيران بكثير؟ بل وبعض بلدانها تمتلك مواد أولية ذات تأثير كبير على الاقتصاد العالمي قد يصل إلى مستوى النفط الإيراني وحتى النفط الخليجي في بعض الصناعات.
يكفي أن نُذكّر بعناصر القوة التقليدية للقارة: المواد الأولية، السوق الواسعة والديمغرافية الأكثر حيوية في العالم. لا يخلو بلد إفريقي من هذه العناصر، بل إن بعض المواد النادرة تحتكر أكثر من نصف إنتاجها عالميا دولة إفريقية واحدة. مثل الكوبالت الذي يدخل في جميع الصناعات الكهربائية والبطاريات بمختلف أنواعها والحواسيب وغيرها من الصناعات المتقدمة الذي تحتكره جمهورية الكونغو الديمقراطية وحدها بنسبة 55% وتنتج ما يزيد عن 70% من الإمدادات العالمية منه! وقس على ذلك باقي المعادن النادرة التي باتت الصناعات المتقدمة رهينة بمدى توفرها في السوق العالمية، أمر لا يقل أهمية عن توفر الشرائح الإلكترونية المتقدمة المتناهية في الصغر التي تصنعها تايوان وتتحكم من خلالها شركات عالمية بشكل كبير في اقتصاديات الدول المتقدمة.
فهل ستتمكن القارة الإفريقية من القيام بقراءة واعية للصمود الإيراني تجاه أكبر قوة عسكرية في العالم وثاني أكبر اقتصاد عالمي؟
يبدو أننا في حاجة إلى ذلك، وأنه علينا أن نصل إلى خلاصة تقول: أن الأداء الإيراني لمواجهة أحد أكبر الاعتداءات الظالمة في التاريخ، إذا كان قد حقق نتائج في الميدان، فإن أكبر نتيجة حقَّقها على الإطلاق هي أنه أمَدّ الشعوب الإفريقية والآسيوية المضطَهدة بما يُمكِّنها ليس فقط من الصمود في وجه الهيمنة الغربية التي دامت قرونا بل من مقارعة هذه الهيمنة والانتصار عليها، وإفريقيا اليوم هي الأمثل لرفع هذا التحدي والسير وفق هذا النهج، إنه نهج المستقبل…