-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من التقييم إلى الاستشراف… خطاب الرئيس يرسم طريق الجزائر

ساعد عروس
  • 361
  • 0
من التقييم إلى الاستشراف… خطاب الرئيس يرسم طريق الجزائر

في لحظة تتكاثف فيها الأسئلة الوطنية، وتتقاطع فيها التحديات الداخلية مع تحولات إقليمية ودولية عميقة، وقف رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، يوم 30 ديسمبر 2025، أمام البرلمان بغرفتيه، لا ليؤدي واجبًا دستوريًا شكليًا، بل ليخاطب الأمة من موقع الدولة الواثقة بنفسها، القادرة على مراجعة مسارها علنًا، ووضع شعبها في صلب معادلة القرار والمسؤولية.

لم يكن الخطاب عابرًا في زمنه، ولا تقليديًا في مضمونه، بل جاء كوثيقة سياسية جامعة، رسمت صورة الجزائر كما هي اليوم، وكما تريد أن تكون غدًا، واضعة الحصيلة في ميزان المسؤولية، والمستقبل في أفق الإرادة، دون مواربة أو تبسيط.

خطاب المكاشفة الهادئة… لا تبرير ولا تهويل

منذ مستهل كلمته، بدا واضحًا أن رئيس الجمهورية اختار لغة المكاشفة الهادئة، لا من باب التبرير، ولا من منطق التهويل، بل من منطلق الثقة في الدولة ومؤسساتها. فقد حدّد بوضوح غاية هذا اللقاء مع ممثلي الأمة: تقديم رصيد السنة المنقضية، استعراض الرؤية المستقبلية، وتثبيت التوجهات الكبرى للدولة في الشأنين الداخلي والخارجي.

وهو ما منح الخطاب طابعًا شاملًا، جمع بين السياسي والاقتصادي، بين الوطني والدولي، وبين الواقعي والاستشرافي، في توازن دقيق يعكس نضج التجربة واستيعاب رهانات المرحلة.

الإصلاح خيار سيادي… والدولة ماضية فيه

في الشق الداخلي، شدّد الرئيس عبد المجيد تبون على أن مسار الإصلاحات الذي انطلق منذ سنوات لم يتوقف، ولن يتوقف، رغم محاولات التشويش التي تستهدف التجربة الجزائرية من الداخل والخارج. وكان هذا التأكيد رسالة سياسية مزدوجة الدلالة: طمأنة للداخل بأن الدولة ثابتة على خياراتها، وتنبيه للخارج بأن الجزائر اختارت طريقها بوعي وسيادة، ولن تحيد عنه تحت ضغط أو مساومة.

ولم يُقدَّم الإصلاح كشعار فضفاض، بل كخيار استراتيجي واضح المعالم، غايته تحديث الاقتصاد الوطني، تطوير أداء المؤسسات، تعزيز الحوكمة، وترسيخ الشفافية ومحاربة الفساد باعتبارها سياسة دولة لا ظرفًا عابرًا.

التنمية بمعيار الأثر… والبرلمان شريك في البناء

وفي السياق ذاته، أكّد رئيس الجمهورية عزم الدولة على مواصلة تنفيذ برامج التنمية الشاملة في مختلف القطاعات، مع التشديد على أن معيار النجاح هو الأثر الملموس في حياة المواطن، لا وفرة الأرقام ولا زخرفة التقارير.

وتوقّف الخطاب عند الديناميكية التشريعية التي عرفتها البلاد، مثمّنًا الدور الذي اضطلع به البرلمان في ممارسة صلاحياته الدستورية، وفي المبادرة بنصوص قانونية ذات أثر مباشر على تنظيم الحياة العامة، خاصة قانوني تجريم الاستعمار والجنسية.

وهي إشادة تؤسس لرؤية واضحة: برلمان فاعل، لا تابع، وشريك في صياغة القرار، لا شاهدًا عليه.

الحوار السياسي.. التزام مشروط بالجدية والمسؤولية

أما الحوار السياسي، فقد احتل موقعًا محوريًا في الخطاب، باعتباره خيارًا استراتيجيًا لتعميق المسار الديمقراطي وتعزيز الاستقرار السياسي. وجدّد رئيس الجمهورية التزامه بإطلاق هذا الحوار، محددًا إطاره القانوني والزمني بربطه بإقرار قانون الأحزاب السياسية.

وهي رسالة واضحة بأن الحوار المنشود ليس ارتجالًا ولا استجابة ظرفية، بل مسار منظم، مؤطر بالقانون، يضمن الجدية، ويقطع مع الشعبوية والمزايدات.

ثوابت الدبلوماسية الجزائرية… مواقف لا تتغير

على الصعيد الخارجي، أعاد الخطاب تثبيت الثوابت التي شكّلت جوهر الدبلوماسية الجزائرية منذ الاستقلال. فقد شدّد رئيس الجمهورية على الدعم الثابت وغير المشروط للقضية الفلسطينية، باعتبارها التزامًا تاريخيًا وأخلاقيًا لا يخضع لمنطق الحسابات الظرفية.

كما جدّد التأكيد على الموقف المبدئي من قضية الصحراء الغربية، باعتبارها قضية تصفية استعمار، وحقًا أصيلًا للشعب الصحراوي في تقرير مصيره وفق الشرعية الدولية، دون تأويل أو انتقائية.

الجوار أولًا… وتحصين العلاقات من حملات التضليل

وفي سياق إقليمي بالغ الحساسية، نفى رئيس الجمهورية بشكل قاطع أي دخول للجيش الجزائري إلى الأراضي التونسية، مؤكدًا احترام الجزائر الكامل لسيادة تونس وعدم تدخلها في شؤونها الداخلية.

ورافق هذا النفي تحذير صريح من محاولات بث الشائعات الهادفة إلى ضرب العلاقات الأخوية بين البلدين، مع التأكيد على أن هذه العلاقات أعمق من أن تنال منها حملات التضليل، وأقوى من أن تهزّها حسابات عابرة.

مرحلة مفصلية… ووحدة وطنية شرط العبور

وعند تقييمه للوضع العام، وصف رئيس الجمهورية المرحلة الراهنة بأنها مرحلة مفصلية، تتطلب وحدة وطنية صلبة خلف المشروع الوطني الجامع. وأكد أن العمل السياسي والمؤسساتي لا يمكن أن ينجح دون ثقة المواطن، ولا دون إرادته الحرة.

كما شدّد على قدرة الدولة الجزائرية على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، والقطع مع منطق الإشاعة والتشويش، عبر الوضوح، والعمل، والإنجاز.

2026... عام السياسة بامتياز

بهذه المضامين المتكاملة، يتجاوز خطاب 30 ديسمبر 2025 كونه خطاب نهاية سنة، ليغدو إعلان دخول الجزائر مرحلة جديدة، تفتح مباشرة على استحقاقات سنة 2026، بما تحمله من رهانات سياسية وتشريعية كبرى.

فالسنة القادمة مرشحة لأن تكون سنة الحوار السياسي الوطني الجامع، بإشراك فعلي للطبقة السياسية وفواعل المجتمع، وسنة مراجعة القوانين الناظمة للحياة العامة، من قانون الأحزاب السياسية، إلى قانون الانتخابات، وقانون البلدية والولاية، مع إمكانية إدخال مراجعات تقنية مدروسة على الدستور.

الانتخابات التشريعية… اختبار الثقة والنضج

وتتوج هذه الاستحقاقات بمحطة مفصلية تتمثل في الانتخابات التشريعية المنتظرة في شهر ماي 2026، باعتبارها اختبارًا حقيقيًا لمدى نجاعة الإصلاحات القانونية، ولمستوى الثقة الشعبية في المؤسسات المنتخبة، ولمدى نضج الممارسة السياسية.

الاقتصاد ركيزة الاستقرار… والأرقام لغة السيادة الاجتماعية

وبالتوازي مع المسار السياسي والتشريعي، أفرد رئيس الجمهورية حيّزًا وازنًا من خطابه للملف الاقتصادي والاجتماعي، باعتباره القاعدة الصلبة لأي استقرار سياسي مستدام. ولم يكن هذا الجزء توصيفًا عامًا للسياسات العمومية، بل عرضًا مفصلًا لمشاريع كبرى وأرقام دقيقة تعكس حجم التحول الجاري في بنية الاقتصاد الوطني.

يتجاوز خطاب 30 ديسمبر 2025 كونه خطاب نهاية سنة، ليغدو إعلان دخول الجزائر مرحلة جديدة، تفتح مباشرة على استحقاقات سنة 2026، بما تحمله من رهانات سياسية وتشريعية كبرى.

وفي هذا السياق، توقّف الرئيس مطولًا عند مشروع غار جبيلات، واصفًا إياه بالرهان الاستراتيجي الذي سيُخرج الجزائر نهائيًا من منطق الاقتصاد الريعي الضيق إلى أفق التصنيع الثقيل والسيادة المنجمية. وأكّد أن المشروع دخل مرحلة الإنتاج الفعلي، بطاقة أولية تُقدّر بملايين الأطنان سنويًا، مع رفع تدريجي للقدرات الإنتاجية، وربطه بمشاريع التحويل والسكك الحديدية، بما يجعل منه رافعة حقيقية للتنمية في الجنوب الغربي، ومصدرًا مستقبليًا لخلق الثروة ومناصب الشغل.

وبالمنطق نفسه، استعرض رئيس الجمهورية مشروع الفوسفات ببلاد الحدبة، باعتباره أحد أكبر المشاريع المهيكلة في المنطقة، لما له من أثر مباشر على الصناعات التحويلية والأسمدة، وعلى تموقع الجزائر في سلاسل القيمة العالمية. وهو مشروع، كما شدّد الرئيس، لا يُقاس فقط بحجمه الاستثماري، بل بقدرته على إدماج الاقتصاد الوطني في صناعات ذات قيمة مضافة عالية.

وفي البعد الاجتماعي، كان الخطاب صريحًا في التأكيد على أن الإنجاز الاقتصادي لا معنى له إن لم ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن. وفي هذا الإطار، ذكّر رئيس الجمهورية برفع الأجور ومنح زيادات معتبرة لفائدة مختلف الأسلاك الوظيفية، إلى جانب تثبيت منحة البطالة كآلية تضامن اجتماعي غير مسبوقة، استفاد منها ملايين الشباب، في انتظار إدماجهم في الدورة الاقتصادية المنتجة.

أما في قطاع الفلاحة، فقد أبرز الرئيس النتائج المحققة في مجال توسيع المساحات المسقية، وتطوير الزراعات الاستراتيجية، مؤكدًا أن الجزائر قطعت أشواطًا مهمة في تقليص فاتورة الاستيراد، لا سيما في الحبوب وبعض المنتجات الأساسية، بفضل الاستثمار في الجنوب والهضاب العليا، وربط الفلاحة بالبحث العلمي والتمويل.

وفي ملف المياه، شدّد الخطاب على الطابع الاستراتيجي لهذا القطاع، مستعرضًا إنجاز عشرات محطات تحلية مياه البحر، ومشاريع تحويل المياه والسدود، التي سمحت بتأمين التزويد بالماء الشروب لملايين المواطنين، والتخفيف من آثار التغيرات المناخية، خاصة في المناطق الساحلية والداخلية.

أما السكن، فقد استعرض رئيس الجمهورية حصيلة وُصفت بالقياسية، حيث تم توزيع مئات الآلاف من السكنات بمختلف الصيغ (اجتماعي، عدل، ترقوي مدعم)، مع التأكيد على استمرار البرنامج الوطني للسكن باعتباره أحد أعمدة السلم الاجتماعي والاستقرار الأسري.

وفي قطاع الصحة، تحدّث الرئيس عن إطلاق وإنجاز مشاريع استشفائية كبرى، ومستشفيات جامعية متخصصة، وتدعيم المنظومة الصحية بالتجهيزات والموارد البشرية، في إطار رؤية تهدف إلى تحسين نوعية الخدمات وتقليص الحاجة إلى العلاج في الخارج.

بهذا العرض المتكامل، أراد رئيس الجمهورية أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن الاقتصاد في الجزائر لم يعد ملفًا تقنيًا معزولًا، بل مشروع دولة متكامل الأبعاد، تتقاطع فيه السيادة الوطنية مع العدالة الاجتماعية، ويُقاس نجاحه بمدى انعكاسه المباشر على حياة المواطن اليومية.

ولم يُغفل الخطاب التعليم العالي والجامعة، حيث أشار إلى تدشين جامعات جديدة، وتوسيع قدرات الاستقبال، وربط التكوين الجامعي بحاجيات الاقتصاد الوطني، بما يجعل الجامعة شريكًا فعليًا في مسار التنمية، لا مجرد فضاء للتلقين.

بهذا العرض المتكامل، أراد رئيس الجمهورية أن يبعث برسالة واضحة مفادها أن الاقتصاد في الجزائر لم يعد ملفًا تقنيًا معزولًا، بل مشروع دولة متكامل الأبعاد، تتقاطع فيه السيادة الوطنية مع العدالة الاجتماعية، ويُقاس نجاحه بمدى انعكاسه المباشر على حياة المواطن اليومية.

أفق مفتوح على الثقة… أو حين يتحوّل المنجز إلى وعد بالمستقبل

في المحصلة، لا يُقرأ خطاب رئيس الجمهورية أمام البرلمان بوصفه محطة ختام لسنة سياسية، بل يُستوعَب باعتباره علامة فارقة في مسار دولة اختارت أن تتقدّم بثبات، لا بضجيج، وأن تبني خياراتها على التراكم لا الارتجال. لقد جاء الخطاب ليؤكد أن الجزائر، وهي تراجع نفسها أمام ممثلي الأمة، تفعل ذلك بثقة من يعرف ما أنجز، وبمسؤولية من يدرك حجم ما ينتظر.

إن الأفق الذي يرسمه هذا الخطاب ليس أفق قطيعة مع الحاضر، بل امتداد واثق لمسار بدأ يؤتي ثماره، أفق تُصاغ فيه التحولات الكبرى بهدوء الدولة لا بعجلة اللحظة، وبشراكة وطنية لا بإقصاء، وبثقة في المجتمع الجزائري الذي أثبت، في أكثر من منعطف، قدرته على حماية استقراره وصناعة خياراته.

فالمنجزات التي عُرضت، بأرقامها ومشاريعها وامتداداتها الاجتماعية، ليست مجرد حصيلة إدارية، بل شواهد على انتقال فعلي من منطق التدبير الظرفي إلى رؤية دولة طويلة النفس، تُزاوج بين الإصلاح السياسي، والإنجاز الاقتصادي، والحماية الاجتماعية، في معادلة متوازنة تحصّن الاستقرار وتفتح آفاق النمو.

وإذ تتجه الجزائر نحو استحقاقات سنة 2026، فإن الخطاب يبعث برسالة طمأنة عميقة المعنى: الدولة ممسكة بالبوصلة، والمؤسسات تسير وفق رؤية واضحة، والمستقبل لا يُدار بردود الأفعال بل بخيارات محسوبة. وهو تفاؤل لا يقوم على الأمنيات، بل على مكتسبات تحققت، ومسار إصلاحي تَرسّخ، وإرادة سياسية أعلنت بوضوح أنها ماضية في البناء دون التفريط في الثوابت.

إن الأفق الذي يرسمه هذا الخطاب ليس أفق قطيعة مع الحاضر، بل امتداد واثق لمسار بدأ يؤتي ثماره، أفق تُصاغ فيه التحولات الكبرى بهدوء الدولة لا بعجلة اللحظة، وبشراكة وطنية لا بإقصاء، وبثقة في المجتمع الجزائري الذي أثبت، في أكثر من منعطف، قدرته على حماية استقراره وصناعة خياراته.

بهذا المعنى، لا يغلق خطاب رئيس الجمهورية صفحة، بل يفتح كتابًا جديدًا عنوانه: جزائر تبني مستقبلها بوعي، وتُراكم إنجازها بصبر، وتتقدّم بإرادة دولة تعرف أين تقف وإلى أين تتجه. وهي، إذ تمضي نحو الغد، لا تُراهن على المجهول، بل تستند إلى رصيد من العمل، وإلى أمل واقعي، وإلى يقين راسخ بأن الجزائر لا تُدار بالصدفة… بل تُصنع بالإرادة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!