-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

من الحياة .. إلى الممات

من الحياة .. إلى الممات

لا قيمة عند جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، خير جمعية أخرجت للناس، أغلى وأشرف من قيمة المعلم، كيف لا ورسولنا ـ صلى الله عليه وسلم ـ حصر مهمته في التعليم، حيث قال: “إنما بعثت معلما”، وإن ذُكر أن في سند ضعفا، وقوّاه بعض العلماء لتعدد طرقه.. ومن أجمل ما قيل في شرف مهمة المعلم ما قاله الشاعر الكبير أحمد شوقي:أعلمت أشرف أو أجلّ من الذي يبني وينشئ أنفسا وعقولا

وقد عاشت الجمعية ما عاشت مشيدة بالمعلم، رافعة ذكره، حاثة على إجلاله وإكرامه، داعية إلى إغنائه ماديا عن كل ما يشغله ويلهيه عن التفرغ للتعليم، وفي ذلك يقول الإمام محمد البشير الإبراهيمي: “أما والله لو استطعت لأعطيت المعلم جما، ثم لوسَّعت العطاء ذما، حتى  تقوى فيه ـ المعلم ـ نزعة الكرامة وشرف العلم، والشعور بأن العلم كالعبادة”، وقد نسأ الله ـ عز وجل ـ لنا في الآجال حتى رأينا من ليس لهم إلا “شهادة الميلاد” يعتلون المناصب العليا، ويهينون أرباب الحِجى وأصحاب الشهادات العليا. ورحم الله محمد العيد آل خليفة القائل:

وحُكمنا اليوم شرّ حكم

متى نرى قائدا حكيما

أنرتجي للهدى وصولا

وجيلنا اليوم شرّ جيل

يبين عن رأيه النبيل

ونحن ركب بلا دليل

كما أنه لا مكانة أعلى وأسمى عند الجمعية من مكانة المدرسة، فآثار مؤسسي جمعية العلماء حافلة بتمجيد المدرسة، واعتبارها “جنة الدنيا”، إن لم يكن ذلك من الناحية المادية، فمن الناحية المعنوية…

وقد كانت الجمعية عندما تفتح مدرسة تدعو الناس من أقطار الجزائر كأنها في عُرس، وكفى دليلا على ذلك بمدرسة دار الحديث في تلمسان ومعهد الإمام ابن باديس في قسنطينة.. كانت الجمعية تطلق في الغالب على مدارسها أسماء معاني مثل” التربية والتعليم، والإخاء، والتهذيب، والفلاح، والرشاد، والإصلاح، والثبات، والفتح، والعرفان، وإحياء العلوم… ولا أعلم مدارس أطلق عليها أسماء أشخاص إلا معهد الإمام ابن باديس بقسنطينة، وملحقه محمد خطاب في الميلية، ومدرسة عبد المؤمن بن علي بندرومة، والأمير عبد القادر بمعسكر.. وعائشة وخديجة أُمّي المؤمنين في كل من تلمسان وسكيكدة، من مدارس جمعية العلماء “مدرستا الحياة” في مدينة جيجل، فأما الأولى فقد أسست في عهد الإمام عبد الحميد ابن باديس، وكانت جزءا من دار السيد الطاهر ابن خلاّف، وضعه تحت تصرف الجمعية، ريثما تبنى المدرسة (1). ومما قاله الإمام ابن باديس في أحد احتفالات المدرسة حتى قبل إتمام بنائها: “إن تاريخنا مكتوب بحروف من نور وحروف من نار، فلا النور يُمحى، ولا النار تنطفئ”. (البصائر ع 106. في 2 / 4 / 1938. ص 2).

وعندما بُدئ في تأسيس المدرسة أشرف على ذلك الإمام ابن باديس، الذي “نزل إلى الأساس ووضع الحجر الأول”، ووصف نفسه بأنه “خادم العلم”، وقد شاركت “الفتيات وهن يحملن الماء والحجر بأيديهن اللطيفات، ليشاركن آباءهن وإخوانهن، فرحات مستبشرات، ولسان حالهن يعبر عما في ضميرهن من الإحساس والشعور”. (البصائر ع 168 في 2 جوان 1939. ص 8) وكانت المدرسة تقع في مكان ممتاز، وتشرف على ثلاثة شوارع… وذات تصميم جميل..

وأما مدرسة الحياة الثانية فقد أسست في عهد الإمام محمد البشير الإبراهيمي بعدما غصت بالتلاميذ المدرسة الأولى… وهي تقع مواجهة لأختها، فلا يفصل بينهما إلا شارع (عبد الحميد بن باديس حاليا). وقد اقترح الإمام الإبراهيمي أن تكون المدرسة خاصة للبنات.. وفي ذلك ردّ عملي على مَن غمز وهمز ولمز في جنب جمعية العلماء بأن مدارسها ـ الابتدائية ـ كانت “مختلطة”، من غير أن يشير إلى أن ذلك الاختلاط كان اضطرارا وليس اختيارا، فقد كانت الجمعية كلما توافر لها المال والمعلمون أقامت مدارس خاصة بالبنات، مثل مدرسة خديجة أم المؤمنين في سكيكدة، ومدرسة عائشة أم المؤمنين في تلمسان، ومدرسة المدية، ومدرسة الحياة في جيجل ذات السبعة عشر قسما ـ وفي هذه المدرسة كان لي شرف الدراسة، لأن المدرسة الأولى احتلها الجيش الفرنسي إلى 1962..

إن ما جعلني أكتب هذه الكلمة هو أنني زرت من قريب مدينة جيجل، وقصدت مكان “مدرستي الحياة”، فإذا بي أجد “مدرسة الحياة الأولى” قد حرّفت عما أسست من أجله ووُقفت عليه، وحُوّلت من”الحياة” إلى “الممات”، حيث جيء بـ “فلوكة” و”شباك” وضعوهما فيها وسموها “متحف كتامة”، كأن جيجل ضاقت بما رحبت عن إيجاد بناية أو إنشائها لتكون”متحفا”.

لو كان الذين فعلوا فعلتهم أوتوا رشدا لتركوا المدرسة تؤدي الوظيفة العلمية التربوية التي أسست من أجلها، ولتكون شاهدة على”الجهاد العلمي” للجزائريين ضد فرنسا، أو ما سمته المؤرخة الفرنسية إيفون توران في كتابها “المجابهات الثقافية” بين الجزائريين والفرنسيين…

وإذا كان لا بد من تحويل مدرسة إلى متحف فليكن مما تركه الفرنسيون من مدارس.

لقد اتخذت الجمعية الحالية قرارا بالمطالبة باستعادة المدارس المغلقة لحد الآن، والمدارس التي حُوّلت عما أسست من أجله، وفي المقدمة منها “معهد ابن باديس” و”دار الحديث”. وعلى المسئولين من أصغرهم إلى أكبرهم ـ أن يعلموا أن تلك المؤسسات (المدارس / النوادي) التي أقامتها جمعية العلماء بقليل موجود الشعب الجزائري في سبيل وجوده هي مما يُعرف في نظمنا الاسلامية بـ”الوقف”، وهي “وقف جماعي”، والوقف في الفقه الإسلامي لا يُحوَّل عمّا وُقف له. وأختم هذه الكلمة بالترحم على “الأشياخ النّجب”، الذين تشرفت بالتتلمذ عليهم، وهم مصطفى عبادة، محمد الطاهر ساحلي ( الجيجلي) وعمار مزراق، وعبد القادر ابن طبيبل، ومحمود بوخبزة، وبلقاسم مزهود.. وتحية إلى أولئك الصحب الكرام، خاصة من قضى منهم نحبه كالصديق العزيز إسماعيل شمشم، الذي أتاه اليقين يوم 15 سبتمبر من سنة 1986، في باريس بعدما قضى بها ليلة واحدة، حيث ذهب في البعثة التعليمية…

هوامش:

محمد الحسن فضلاء، المسيرة الرائدة للتعليم في الجزائر. ج 1 ص 86

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • بدون اسم

    الكاتب استدل بحديث و انت اتيت بحديث اخر؟

  • الجزائري

    ولا تنسى كذلك ان العرب انتجوا لنا كثيرا من الخونة والعملاء يا من سميت نفسك ب "محمد" ولا اضنك "محمد" ولا تنتمي الى محمد ,صلى الله عليه وسلم.
    تتكلم عن الطب والفيزياء والهندسة واذكرك وامثالك ممن يقرؤون ولايفهمون انك بصدد التكلم عن جمعية اسمها " جمعية العلماء المسلمين الجزائريين" جمعية علمية اسلامية مباركة وليست جامعة تخرج الاطباء والمهندسين ..لكن المنتمين اليها والمتعاطفين معها كثير منهم اطباء ومهندسين وطلبة مختلف العلوم الانسانية والشرعية. ولا بد يوما من انشاء "جامعة العلماء المسلمين" تيمننا

  • merghenis

    •كتب بعض المختصين و هم قلة تعاليق فيما يخص الكتاب ( 430 صفحة ) ؛ من بين المعلقين نورية بن غبريط رمعون و حسن رمعون.نهاية تعليقهم :" للأسف ،الكتاب غير موجود في المكتبات الجزائرية".
    وللأسف ثانية ، هذا الكتاب غير موجود للتحميل رغم أنه طبع في 1970.

  • محمد

    استاذ الحسيني الا ترا ان دور الجمعية قد انته وولى ولم نعد في حاجة الى اصحاب العمائم و اللحى ا ترى ان اصحاب العمائم واللحى خرجو لنا الا رهابيين و القتلة واعداء الا نسانية و الحضارة بل هم اعداء الجنس البشري هل جمعيتك التي تشيد بها خرجت لنا علماء في الطب او الفيزياء او الهندسة طبعا لا نحن لسنا في حاجة الى الشعر وكتابة الحروز و البلا غة وهذا ما قدمته لنا جمعيتك وهذ ا هو الا بداع الذي قدمته لنا اللغة العربية وعلوم الدين مجرد كلا م لايقدم ولايؤخر وصار العرب لا ينتجون سو الا رهاب و الموت

  • عبدالله

    انا ايضا احبه في الله
    كما احبه عندما يتكلم اللغة العربية رغم انه من الامازيغ الاقحاح

  • مولود

    السلام عليكم:
    شكرا سيدي على تذكيرنا كعادتك بارث جمعيتنا وهي خير جمعية اخرجت في تاريخ الجزائريين المعاصر. لكن الحقيقة تقال ان تاريخنا حرف و اثارنا و ميراثنا العلمي الاصيل , صودر من طرف تلك الشرذمة الاقلية الفركفونية التي تركتها فرنسا لتحافظ على مصالحها في ارض الملاين من الشهداء الذين ضحوا من اجل ان نعيش نحن اعزة بديننا ولغتنا في وطننا الجزائر ..... لكن كما قلت, نجحت فرنسا الخبيثة مع عملائها الانذال ان يحرفوا استقلالنا ويسطوا ويزوروا كل معلم و وقف تاريخي مهم لدينا.لذلك لابد من استرجاع ميراثنا

  • ولد توفمبر

    تاريخنا مطموس وحاضرنا مغشوش ومستقبلنا مظلم

  • بن ثامر

    الجمعية هى خير جمعية اخرجتها فرنسا للناس هذا كلام صحيح بالنسبة لكل مؤمن بالاندماج والمعلم الذي نراه الان هو ذلك الرجل الجشع الطماع الذي هو مستعد ان يضحى بجيل كامل من اجل حفنة من الدراهم ومن العيب والافتئات مقارنته بانبياء الله الذي لا يسالون اجرا عن اداء مهمتهم النبيلة فكفى تجارة بالدين نرجوكم

  • مصطفى صابر

    قول حضرة الكاتب: (( حيث قال: "إنما بعثت معلما"، وإن ذُكر أن في سند ضعفا، وقوّاه بعض العلماء لتعدد طرقه.. )).
    أقول: رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه: «... إِنَّ اللهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا، وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا». أخرجه مسلم في كتاب الطلاق، باب: بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، حديث (1478)

  • سامي

    اقف حائرا شارد العقل بما يفكر القوم الذي بيدهم زمام الامور حول هذه القضايا المصيرية

  • merghenis

    «المؤرخة الفرنسية إيفون توران في كتابها "المجابهات الثقافية" بين الجزائريين والفرنسيين...»
    الكاتب يقصد : " Yvonne Turin, Affrontements culturels dans l'Algérie coloniale "

  • المعتزبالله

    انا احب هذا الرجل كما احب اقرب الاقرباء الي فهو بمنزلة عمي او خالي او اخي الاكبر اطال الله في عمرك سيدي الفاضل و دمت ذخرا للامة الاسلامية و نبراسا للشباب الجزائري تذوذ عن جذوة العروبة في وطن تتقاذفه تيارات تغريبية يكاد يلوى تحت وطاتها .

  • البشير بوكثير

    دمتَ -سيدي- منافحا عن بيضة الإسلام وفصّ العروبة، وإرث جمعية العلماء .