من حقك الوفاء لقائدك لكن لا تسئ إلى قادة الأوراس
نشرت جريدة الشروق بتاريخ25/26/27 جويلية 2015 حوارا مع السيد حسين بن معلم يقدم فيه معلومات خاطئة حول الثورة في الولاية الأولى بالأوراس، ويتهم من يخالف شهادته حولها بالعاطفة، وهي معلومات وردت أيضا في”مذكراته” التي نشرتها دار القصبة بالجزائر 2014، وباعتباري ممن عايشوا الأحداث التي وقعت بمنطقة الأوراس من بداية سنة 1955 حتى1962 والتي سبق لي أن تعرضت لبعضها في كتابي (شاهد على الثورة في الأوراس) فإنني سأحاول الرد على بعضها انطلاقا مما عايشته.
أولاـ لقد عوّدنا السيد حسين بن معلم من خلال كتاباته، واتهامه لقادة الأوراس، وإصداره أحكاما عن حوادث لم يعشها من ذلك زعمه بأن تستر قادة الأوراس عن خبر استشهاد الرمز“مصطفى بن بولعيد” كان بغرض الاستيلاء على قيادة الولاية، وهو بذلك الزعم الباطل يؤكد عدم إدراكه لخطورة وقع استشهاد “بن بولعيد” على معنويات المجاهدين والثورة لم تجتاز بعد مرحلة الخطر، ويؤكد عدم انتباهه إلى التستر المتعمد عن خبر استشهاد بعض الشهداء حتى لا تستغله مخابرات العدو لنشر الفوضى والتشكيك في الثورة، فعبان رمضان أعدم من طرف قيادات في الثورة، وأقيمت له جنازة في تونس، ولكن التكتم عن ذلك استمر قائما إلى غاية استرجاع السيادة سنة1962، وحتى السلطة القائمة بدورها استمرت في نفس المنهج محافظة على بعض أسرار الثورة من ذلك السرية على جثـــتي الشهيدين “الحواس أحمد بن عبد الرزاق” و“عميروش“.
يبدو واضحا أنّ السيد حسين بن معلم من خلال كتاباته يسعى لأن يجعل من نفسه مرجعية لأحداث الثورة في الأوراس، متطوعا للتغطية عن سلبيات من أوكلت لهم مهمة هيكلة الولاية الأولى في فترة من الفترات، وما تم خلال تلك الفترة من تصفيات لرموز الأوراس التاريخيين، بدءا بالقائد البطل“عباس لغرور” وزملائه مفجري الثورة، وانتهاء بالعقيدين “محمد لعموري، وأحمد نواوره” وكذا العقيد “عواشرية” والنقيب“لكحل“، وسجن 80 ضابطا أوراسيا ممن كانوا يوجهون الجيش الفرنسي في الميدان.
ثانيا ـ في الحلقة الثانية لشهادة بن معلم المشار لها أعلاه يــتــهم الضحية“عجول“( بأنه كان يملك اتصالات مع السلطات الفرنسية)، وهو الاتهام الذي تم بموجبه إعـــدام الشهيد“عبان رمضان“، والله سبحانه وتعالى يشير بوضوح إلى الذين يزكون أنفسهم، ويفترون على الله الكذب (سورة النساء 48 و49).
ثالثا ـ ودائما في الحلقة الثانية من شهادة بن معلم المنشورة في جريدة الشروق بتاريخ 27 جويليه 2015 نجده يصر أيضا على اتهام قائد معركة (جبل تامزه) المشهورة المجاهد البطل “عبد الرحمان العمراني”
(بأنه دبّر مكيدة خطيرة لعميروش ومرافــقيه)، وهي تهمة خطيرة في حق بطل استشهد في خندق الشرف ولا نجد لها مبررا، إلا إذا كان حسين بن معلم مستاء لقرار الشهيد “عبد الرحمان العمراني” التزام الحياد إزاء مهمة “عميروش” في داخل الأوراس.
رابعا ـ وفي الحلقة الثالثة من شهادته لصحفية الشروق يتعمد حسين بن معلم التهرب من الإجابة عن سؤال الصحفية الذي كان نصه: “صدرت أحكام بالإعدام على عديد من المجاهدين ظـلما في تونس في المحكمة التي ترأسها ابن طوبال؟)، متحججا بأنه لم يعش تلك المحاكمة عن قرب، فهل عـاش أحداث الأوراس التي أصبح مدمنا على نشرها في كل مناسبة، ومع ذلك لم ينسب خلالها فضيلة واحدة لقادة ومجاهدي الأوراس، ولم يتعرض يوما لمعاناة سكان الأوراس في مواجهتهم للحصار المستنفر لوأد الثورة في عامها الأول، ولم يشر ولو مرة واحدة لمأساة إعدام العديد من إطارات الأوراس، وهم في رباط مقدس مع الثورة؟
خامسا ـ وفي الصفحة281 من مذكراته في الملحق 3 يذكر الأمر بالمهمة الموكلة للرائد“ابراهيم مزهودي” من قبل مؤتمر الصومام، ليبرهن بأن نفس الوكالة قد سلمت للرائد “عميروش“، ولكنه لم ينشرها، لأن “عميروش” في حقيقة الأمر لم يعين من المؤتمر، وإنما عين من طرف الشهيد“عبان رمضان“، وإلا كيف يغيب عنه ذلك الدليل القطعي؟
وبالنسبة لهذا الموضوع بالذات ألفت انتباه السيد بن معلم إلى ما صرح به أخيرا العقيد“عمار بن عوده” أطال الله عمره لجريدة الشروق بتاريخ 28 أوت2015 حيث يقول“بعد خروجنا من مؤتمر الصومام كانت معنويات الشهيد “زيروت يوسف” منخفضة، وقال لي أرى أن“ابن المهيدي” و“عبان” ومن معهما لم يكونوا أوفياء للمبادئ، وقبل أن يستشهد “زيروت” أخبرني أن له أمنيتين يدعو الله أن يحققهما له، الأمنية الأولى: أن يستشهد قبل أن تفرض عليه قرارات لا تنسجم مع مبادئ أول نوفمبر، أو مع قناعاته، والأمنية الثانية: أن لا يذهب إلى الأوراس ويلتقي الشهيد عميروش هناك.
سادسا ـ واضح أن الجنرال بن معلم متعلق جدا بالعقيد“عميروش“، وملتزم بالدفاع عنه لأنه شمله بعناية، خاصة وهو في عمر 17 سنة حين اتخذه كاتبا له في مهمته الأولى داخل الأوراس، ومكنه بعدها مباشرة من مواصلة التكوين في الشرق الأوسط، وهو محق في دفاعه عنه، ولكن كان عليه تجنب الأحكام المسبقة في حق الأوراس وشهدائها ومجاهديها.
سابعا ـ وبتاريخ 25 مارس 2014 يؤكد حسين بن معلم (بـأن العقيد محمدي السعيد لم يتدخل في مهمة بالأوراس لامن قريب ولا من بعيد، ولم يجتمع مع مسؤولي الأوراس ولو مرة واحدة ..الخ) وهذا يــــدل على أن ابن معلم لا يتابع ما كتبه المؤرخون، ولذلك أحيله لكتاب الدكتور مداسي(مغربـــلي الرمـــال)، وكتاب شوقي عبد الكريم (دور العقيد عميروش في الثورة الجزائرية)ص 121، وكتاب الرائد عمار ملاح (محطات حاسمة في ثورة أول نوفمبر1954) ص134، وكتاب المؤرخ الدكتور“زوزو عبد الحميد” (محطات في تاريخ الجزائر) المجلد 7 ص428 ، وكتاب محمد زروال (إشكالية القيادة) ص 303، وماكتبه المؤرخ محمد حربي (مؤامرة لعموري ) نقد 14 ــ 15 ترجمة محمد هناد ص13.) فكل هذه الكتب تؤكد ماقلناه حول دور العقيد محمدي السعيد في الولاية الأولى، ولو أن حسين بن معلم قرأ بإمعان مذكرات العقيد “علي كافي” والوثائق المنشورة برسائله المتبادلة مع العقيد“عميروش” صفحات (122 و123 و138 و139) لأدرك بأنه بعيد عن الحقيقة.
ثامنا ـ وفي الصفحة 139 من مذكرات بن معلم يؤكد عدم معايشته اختراق المخابرات الفرنسية لبعض أجهزة العقيد عميروش، وعمليات التطهير التي ذهب ضحيتها الكثير من المجاهدين والمثقفين، ولكنه يفندها بكل حزم، ولما نعود للصفحتين 127 و128 نجده يقر بها وهذا لا يساعد على كتابة تاريخ موضوعي، وأيضا في الصفحة 125 من مذكراته يذكر حسين بن معلم بأن عدد المجاهدين الذين كانوا صحبة القائدين “عميروش” و“الحواس” يوم استشهادهما (50) مجاهدا، وفي الصفحة127يرجعهم (40) مجاهدا، فهل يُعقل أن يغمط حق (10) شهداء؟
وفي الختام نقول للمجاهد حسين بن معلم أتـــرك أحداث الأوراس للمؤرخين فهم الأحق بــها من غيرهم.
المجاهد الرائد هلايليي محمد الصغير