من عاصفة “البعثية” إلى صدمة غياب النظرية الثقافية
أتحدث هنا عن تجربتي البريطانية بدءا من اللحظة التي لمست فيها قدميَ أرض هذه الجزيرة التي لا يغيب عنها الضباب بعد غياب إمبراطورتها، وانطلاقا أيضا من شروعي في الكتابة والعمل بمجلة “الدستور” الأسبوعية في شهر أفريل من عام 1986 تحديدا. لقد أشرت سريعا في الأسبوع الماضي أنني أدركت بعد البدء في العمل فيها بأنها كانت تابعة لحزب البعث السوداني وأنني صمَمت أن أمارس عملي بدون أنخرط في عقيدة هذا الحزب، ثم تساءلت: ماذا فعلت لكي أحقق مسعاي وأسبق العاصفة قبل أن تهبَ؟ كان المسؤول السياسي لتلك المجلة شخص قيادي في الحزب المذكور ولم يحصل لقاء بيني وبينه أبدا ويدعى محمد عبد الجواد، أما مديرها العام المسيَر لها بلندن فكان السيد شوقي ملاَسي وكلاهما من السودان.
في الحقيقة فقد تعرَفت على السيد شوقي ملاسي في الجزائر قبل التحاقي بالدستور ولم أعلم حينذاك شيئا عن هويته السياسية وانتمائه العقائدي. أذكر أنني تعرفت على هذا الرجل بشكل سريع في الجزائر في بدايات عام 1985 – إذا لم تخني الذاكرة – وذلك عندما كنت أمينا وطنيا باتحاد الكتاب الجزائريين ومسؤولا على العلاقات الخارجية فيه، وكنت في الوقت نفسه كاتبا صحفيا بمجلة المجاهد الأسبوعي. كان تعرفي عليه عن طريق صديقي محمد سي فضيل الكاتب والاعلامي الجزائري الذي كان مديرا عاما لهذه المجلة التي أسستها جبهة التحرير الوطني في عزَ انطلاقة ثورة نوفمبر وكان من بين روادها المؤسسين القائد عبان رمضان، والمفكر فرانز فانون، والكاتب محمد الميلي والسياسي والدبلوماسي المعروف محمد يزيد وغيرهم. على أية حال فقد انقطعت صلتي بهذا الرجل ولم أعد أره إلاَ بعد وصولي إلى لندن بأكثر من شهر.
إن الشخص الذي سهَل لي الالتحاق للعمل بالدستور هو رئيس تحريرها الناقد الأدبي السوري المعروف خلدون الشمعة الذي تعرفت عليه من قبل بسنوات طويلة في مؤتمر الأدباء العرب ومهرجان الشعر اللذين انعقدا بالجزائر في عام 1975 تحت رعاية الرئيس الراحل هواري بومدين. كنت أعرف – بعد تعمق على الصداقة بيني وبين خلدون الشمعة ابتداء من 1975 إلى بدايات عام 1986 وذلك من خلال كتاباته الأدبية النقدية اللامعة التي كان ينشرها غالبا على صفحات كل من مجلة المعرفة السورية ومجلة الآداب الصادرة عن دار الآداب لصاحبها صديقي الروائي والمترجم والناشر الراحل سهيل إدريس – أنه أديب مفكر لا علاقة رسمية له بالأحزاب، وكانت كتاباته ذات النكهة الليبرالية تعلن ذلك بكل وضوح.
على ضوء هذه الخلفية شعرت نسبيا بالراحة والاطمئنان جرَّاء عدم اشتراطه عليَ مسبقا أن أتبنى أو أقحم في كتاباتي وجهات نظر وعقيدة حزب البعث السوداني الذي كان فرعا من حزب البعث العراقي الذي كان في خصام وقطيعة مع حزب البعث السوري. لقد صممت إنه لو حصل أي نوع من ربط أحد ما من مسؤولي المجلة لعملي بالعقيدة الحزبية لاكتفيت بالدراسة لضمان الإقامة، وبالبحث عن العمل في مكان آخر مهما كان نوعه. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فقد أعددت نفسي منذ البداية أن أتفادى أية مطالب أيديولوجية مفروضة عليَ من أي كان. وهكذا أعلنت مسبقا للمسؤولين على التحرير بأنني سأتخصص في متابعة الشأن الجزائري بالتحليل والنقد إلى جانب كتابة زاوية أسبوعية ثابتة أرصد فيها قضايا الإبداع والثقافة والفكر.
لا شك أن ديمقراطية وليبرالية الناقد خلدون الشمعة وكذا عدم انخراطه شخصيا في الالتزام الحزبي فضلا عن إعلاني للمهمة التي أريد الاضطلاع بها قد كانت مجتمعة بمثابة مخرج سلس وفَر لي إقامة المسافة بيني وبين المسائل المتعلقة بأيديولوجيا البعث والقضايا التي تتعارض مع قناعاتي الفكرية والسياسية. وبالفعل فقد سارت الرياح بما كانت تشتهيه سفني طوال السنوات الأربع التي قضيتها في العمل كمتعاون مع هذه المجلة التي كانت ذات مستوى دولي بامتياز إخراجا وتصميما ومضمونا وخاصة في جانبها المتعلق بما كانت تنشره من كتابات ذات الصلة بالإنتاج الثقافي والفكري والاجتماعي. أعتقد أن أحد العوامل الأخرى التي ساعدت على خلق هذا النوع من المناخ في ذلك الوقت هو تعاون عدد كبير من الكتاب والأدباء، والمفكرين والإعلاميين المحللين السياسيين غير الحزبيين الدوغماطيين وغير المتعصبين، لهذا النسق العقائدي أو ذاك، مع “الدستور” أذكر منهم على سبيل المثال المفكر السوري مطاع صفدي، والشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، والناقد والدارس المصري الدكتور علي شلش، والشاعر والإعلامي الإيراني على نوري زاده الذي كان رئيس تحرير لأكبر وأشهر جريدة يومية إيرانية تدعى “كيهان” وذلك قبل خروجه من إيران ليصبح لاجئا سياسيا في لندن في عهد “الخميني” وهلمَ جرا.
مرَت عليَ عدة شهور وأنا أجهد نفسي ليلا ونهارا في دراسة اللغة الانكليزية، وفي محاولات فهم الأساس الثقافي والفكري للمجتمع البريطاني، وكنت أتابع عن كثب ما كان يحدث في الجزائر من تطورات وخاصة على الجبهة الاجتماعية والسياسية وأكتب المقالات.
حتى تلك اللحظات كنت أعتقد في قرارة نفسي، ربما مثل غيري من أغلبية المعارضين الجزائريين في الداخل وفي الخارج، أن المشكل الكبير والعويص في الجزائر هو مشكل سياسي واجتماعي لمرحلة ما بعد الاستقلال فضلا عن تأثير بقايا الاستعمار الفرنسي بما في ذلك ما كان يسمى في أدبيات المعرَبين بحزب فرنسا. ولكن كل ذلك قد تغير فجأة وبدون إنذار مسبق بعد شرائي لثلاثة كتب وكان الكتاب الأول مترجما إلى العربية من طرف خيري حماد ومراجعة مروان الجابري وهو من تأليف الفيلسوف الأمريكي جون ديوي وعنوانه “الفردية قديما وحديثا” والثاني من وضع الدارس الفلسفي محمود زيدان يحمل عنوان “وليم جيمس” وجدتهما بإحدى المكتبات العربية بلندن، والثالث باللغة الانكليزية اشتريته من مكتبة “فويلز” الضخمة بالقرب من شارع أكسفورد اللندني الشهير وهو للفيلسوف “وليم جيمس” نفسه وعنوانه: “البراغماتية وكتابات ّأخرى”، في الليلة نفسها قرأت كتاب “الفردية قديما وحديثا” بالكامل وأذهلني أن جون ديوي يدرس في هذا الكتاب الأساس القاعدي الثقافي والفكري لأزمة الفردية في المجتمع الأمريكي، كما أنه يبرز أن المشكلات الأخلاقية والسياسية في مجتمع استهلاكي في عصره مثل المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت وتحديدا في فترة 1929 هي مشكلات لها جذورها في الارث الثقافي /الفكري الممتد في الماضي. بهذا الخصوص يقول جون ديوي: (“مع أننا ماديا وظاهريا ننتمي إلى القرن العشرين، فقد بات من الشائع القول أننا نعيش فكرا وإحساسا، أو على الأقل باللغة التي نعبر بها عن الفكر والإحساس، في قرن ماض، يتراوح بين القرن الثالث عشر والثامن عشر”. وفي وضع متناقض كهذا، ليس من الغريب أو المدهش، أن نرى بحثا عن الحياة الأمريكية، كذلك الذي ظهر مثلا عن مدلتاون [مدينة أمريكية متوسطة اتخذت نموذجا لبحث عن تأثير التطورات الصناعية في الكيان الاجتماعي] يشير في أكثر من مرَة أو مكان إلى الحالة الفكرية “الحائرة” أو “المرتبكة” كطابع مميز لنا”).
وفي مكان آخر من كتابه هذا يلاحظ ديوي أن الدراسة العميقة، أي القاعدية لأمريكا تستدعي حتما التفكير في عدة ظواهر تتخلل الواقع الأمريكي في ذلك الزمن وفي صدارتها نفور الناس من ادراك مشكلات المجتمع على ضوء تحليل البنية الثقافية والفكرية المتحكمة في النموذج الاجتماعي الكلي الذي يسم بميسمه ذلك المجتمع نفسه في تلك الفترة التاريخية، وإغفالهم عن تأثيرات القيم الثقافية بما فيها الأحكام الأخلاقية والمعايير الاجتماعية المترسبة في اللاوعي الشعبي التي جاءت من الماضي ولاتزال قائمة في الحاضر: “وهناك ظاهرة بدت مؤخرا يمكن إطلاق اصطلاح (الوعي الثقافي) أو (الوعي الحضاري) عليها، وهذا المصطلح، مثله في ذلك مثل الوعي الطبقي والقومية، يرتدي شكلا مثيرا للبغض والنفور (فهو أساس النزاع بين الجماعات ومسمَاه).
بناء على هذا التحليل لـ جون ديوي بدأت أدرك أن السياسة ليست جزيرة معزولة وإنما هي من إنتاج الثقافة بما هي واقع المجتمع المرتبط بها ارتباطا عضويا ويعكس بعضهما البعض.
في هذا السياق انتبهت أنه ينبغي الاشتغال على ثقافة الشعب، وفرز ما ترسَب في الطبقات الواعية وغير الواعية لديه قصد فهم الوضع السياسي القائم في لحظة تاريخية معينة باعتباره نتاجا لها بالدرجة الأولى. نظرا لما تقدم وجدت جون ديوي يقرأ أزمة المجتمع الأمريكي في فترة 1929 كأزمة في الثقافة. لقد توقفت عند هذه العبارة طويلا، وفكرت فيها عميقا وأحسست أنها تضع اليد على الجرح، لأن هناك فرقا بين وجود أزمة ثقافية ووجود أزمة في الثقافة. إنه يمكن أن نمرَ مثلا بأزمة انتاج ثقافي التي تعالج بتحسينه وزيادته، ولكن هذا يختلف عن حصول الأزمة في داخل البنية الثقافية السائدة أو في الثقافة الثانوية المفترض أن تكون ثقافة مقاومة لتلك السائدة والمعبرة عن الطبقة المسيطرة، أو المهيمنة. هنا لجأت إلى انطونيو غرامشي وشرَاحه أمثال ديفيد فورغاس لأفهم أكثر فهما معاصرا ونقديا مصطلح “الأزمة في كذا وكذا..” التي طرحها جون ديوي والتي تتكرر أيضا في أقوال السياسيين عندنا راهنا. هنا رحت أقرأ من جديد مؤلفات غرامشي وخاصة مقاله الشهير المدعو “المسألة الجنوبية” وكتابه المفتاحي “ملاحظات دفتر السجن” الذي كتبه في السجن، حيث قضَى 20 سنة عقابا له على نشاطه السياسي اليساري وأفكاره المناهضة لليمين الرأسمالي الإيطالي. في نظر غرامشي هناك فرق جوهري بين الأزمة الجزئية وبين ما يصطلح عليه بالأزمة العضوية. فالأزمة الجزئية هي تلك التي لا تصيب أساس وعصب العلاقة الرابطة بين العناصر المكوَنة للبنية سواء كانت إدارية، أو تربوية تعلمية أو دينية أو نفسية أو اقتصادية أو متصلة بجهاز من أجهزة الدولة، أو بالتنظيم الحزبي الخ. إن أزمة من هذا النوع يمكن أن تعالج باستبدال هذا العنصر أو ذاك بواسطة عملية جراحية حاسمة، أما الأزمة العضوية فمختلفة كل الاختلاف.
إنها كما يقول ديفيد فورغاس، شارح غرامشي، “أزمة النظام كله، حيث التناقضات في البنية الاقتصادية، لها ارتدادات عبر البنية الفوقية. إن إحدى علاماتها هي حين لا تعود الأشكال التقليدية للتمثيل السياسي (الأحزاب، أو زعماء الأحزاب)، معترفا بها كأشكال مناسبة من طرف الطبقة الاقتصادية أو من طرف قسم من الطبقة التي عملت سابقا على تمثيلها”. فأزمة في الثقافة تعني إذن أزمة المجتمع بكامله وتعني سقوط أشكال وعلاقات التمثيل بكل عناصرها المادية والرمزية، ونفهم من هذا بالنتيجة انهيار البنية كمتحد وعناصرها بالكامل وبالتالي انحلال العلاقة بين القيادة وبين الشرائح التي تقودها، أي انحلال هيمنة القيادة التي تعني كمصطلح الحكم بالرضا باستخدام وسائل وايديولوجيا الترغيب والإقناع والجذب والاستقطاب فقط. تلك هي الأزمة التي يتحدث عنها المفكر جون ديوي، ولكن بلغة عصره المختلفة عن لغة عصر غرامشي.
وبهذا الصدد فهمت منه أن المدارس هي الوسائل التي تنتج ما يدعوه “بطرق الإحساس والتفكير والاتجاهات العقلية” التي هي “زبدة الثقافة المميزة”. في هذا الإطار بالذات وجدت جون ديوي يدعو إلى التفكير مليَا
في “المنظمات الاجتماعية، والاتجاهات الحرفية وطابع الترتيبات الاجتماعية” التي ينظر إليها باعتبارها “المؤثرات الأخيرة المسيطرة في تشكيل العقول وتكييفها”، وهي في المطاف الأخير شديدة الارتباط بما دعاه قبله بقرون ابن خلدون بالشرط الضروري لبناء العقل التجريبي ومجتمع أمهات الصنائع التي يقول بأنها “تكمل بكمال العمران الحضري” وتتم في نظره بالعلم. هنا استيقظت من سباتي العميق على وقع صدمة تخلف النظرية الثقافية لديَ وفي الجزائر فرحت أتأمل قول هذا المفكر والمربي الأمريكي: “إن حل أزمة الثقافة متماثل مع استرداد الفردية الخلاقة والمؤثرة والمركبة”. لقد قادني كل هذا إلى إعادة النظر جذريا في تكويني الفكري، وفي نفس الوقت شرعت في الاستماع كثيرا طوال السنة الأولى من إقامتي بلندن إلى عدد من منظري الثقافة من المفكرين والعلماء وفي المقدمة مفكري التيار البراغماتي في أمريكا، وبيير بورديو ولوي ألتوسير في فرنسا، ومالك بن نبي في الجزائر، وطه حسين وسمير أمين في مصر. كيف تفاعلت مع هؤلاء؟ ما هي مكوَنات وخصائص نظرياتهم؟ ماذا وجدته ناقصا فيها وفي تطبيقاتها حين تحليلهم للأبعاد الثلاثة التي يرى الدكتور سمير أمين أنها تشكل قواعد وأسس الواقع الاجتماعي وهي: البعد الاقتصادي والبعد السياسي والبعد الثقافي المترابطة، حيث لا انفصام أو انفصال بينها؟ وهل ثمة إمكانية لجعل نظريات هؤلاء تشتغل في الواقع الجزائري الذي له خصوصيته؟ هذا ما سأتحدث عنه في الأسبوع القادم.