منتخب “الأفلان” يسلّم المشعل لجيل رياض محرز
معوش:” العين تدمع فخراً” بما وصلت إليه الدولة الجزائرية من سيادة وريادة منشآتية”
بلومي:” قادرة على احتضان أي منافسة كروية مهما كان حجمها”
محرز:” نمتلك بنية تحتية تليق بسمعة منتخبها وشعبها

حين يمتزج عبق التاريخ الرياضي الجزائري بطموحات الغد، تتجلى لوحة فريدة لـ مسارات التحول الوطني، إنها ليست مجرد حكاية كرة قدم تُدحرج فوق العشب، بل مسيرة دولة ناشئة شيدت هويتها بالدم والعزيمة، وتُوجت نهضتها بمنشآت معمارية ورياضية تضاهي الأحدث عالمياً…. من كفاح أساطير جبهة التحرير الوطني عام 1958، إلى سحر جيل القائد رياض محرز، تروي الملاعب الجديدة… قصة التحول من “دبلوماسية الأقدام الحافية” إلى “الريادة المنشآتية الشاملة”.
لا يمكن فهم القيمة الرمزية للنهضة الرياضية الحالية دون العودة إلى الجذور، ففي 13أفريل 1958، غادر نجوم الكرة الجزائرية أنديتهم الفرنسية ولبّوا نداء جبهة التحرير الوطني، ليطوفوا العالم رافعين الراية الوطنية قبل الاستقلال، لقد كانت “الملاعب” آنذاك ساحات سياسية لإسماع صوت الثورة.
عندما يتحدث المجاهد واللاعب الدولي السابق محمد معوش، رئيس مؤسسة جبهة التحرير الوطني التاريخية أطال الله في عمره، فإن كلماته تعيد فتح واحدة من أنصع وأشرف الصفحات في تاريخ الرياضة العالمية، لقد كان من صناع تلك الملحمة عندما غادر فرنسا ملبّياً نداء الوطن عام 1958، طالما ركّز في تصريحاته وخرجاته الإعلامية على البُعد الثوري والدبلوماسي لهذا المنتخب الفريد.
وقال في تصريح خص به الشروق:” لم نتردد للحظة واحدة عندما جاءنا نداء جبهة التحرير الوطني، تركنا وراءنا العقود المكللة بالمال، الشهرة، والمستقبل الكروي المضمون في أوروبا، واخترنا المجهول من أجل قضية عادلة. كنا ندرك أننا نلتحق بالثورة بجوازات سفر مزورة، لكن إيماننا بالاستقلال كان أقوى من أي إغراء دنيوي”، و اضاف قائلا:” الجولات التي قامنا بها عبر مختلف دول العالم حققت أهدافاً عسكرية وسياسية عجزت عنها القنوات التقليدية، فعزف النشيد الوطني “قسماً” ورفع العلم الجزائري في عواصم الكتلة الشرقية وآسيا وإفريقيا قبل الاستقلال، كان بمثابة إعلان رسمي عن ولادة الدولة الجزائرية في أذهان الشعوب… كنا نلعب في ملاعب ترابية بلا غرف تغيير ملابس… واليوم تمتلك الجزائر صروحاً عالمية تدمع لها العين فخراً”

في شهاداته المؤثرة التي يقارن فيها بين الأمس واليوم، طالما تطرق المجاهد واللاعب الدولي السابق محمد معوش إلى طبيعة الظروف القاسية والملاعب التي احتضنت مباريات منتخب جبهة التحرير الوطني بين عامي 1958 و1962، معبراً عن ذهوله وفخره بالثورة المنشآتية التي تشهدها الجزائر الجديدة اليوم.
و يرى معوش أن هدفهم لم يكن يوماً تسجيل الأهداف للفوز بالمباريات فحسب، بل كان الهدف هو “تسجيل موقف” وإيصال صوت ومظالم الشعب الجزائري إلى الرأي العام الدولي من خلال المستطيل الأخضر.
يتحدث معوش بكثير من العاطفة عن القيمة الرمزية للملاعب؛ ففي وقت الاستعمار، كانت الملاعب الكبرى في الجزائر حكراً على المستعمر ومحرّمة على الجزائريين إلا كمتفرجين في درجات دنيا، أو مجرد مساحات للمطالبة بالحرية.
واليوم، يعقد معوش مقارنة مبهرة عندما يرى تحفاً معمارية مثل ملعب “نيلسون مانديلا” ببراقي، وملعب “حسين آيت أحمد” بتيزي وزو، وملعب “علي عمار” بالدويرة، وملعب ميلود هدفي بوهران و رؤية هذه الملاعب الجديدة تجعل “العين تدمع فخراً” بما وصلت إليه الدولة الجزائرية من سيادة وريادة منشآتية.
وجه رئيس مؤسسة جيش التحرير الوطني لكرة القدم رسالة مباشرة للاعبي الجيل الحالي و يرى معوش أن الدولة لم تبخل على هذا الجيل، ووفرت له ملاعب تضاهي ملاعب المونديال وأوروبا، وهو ما يضع اللاعبين أمام “مسؤولية مضاعفة”، ويطالب معوش اللاعبين بـ “تبليل القميص” والقتال فوق المستطيل الأخضر، مؤكداً أن من يملك هذه الملاعب والظروف المثالية، يجب أن يكون دافعه وعطاؤه بلا حدود لإسعاد الشعب الجزائري وإعلاء كبرياء الوطن في قادم الإستحقاقات.
كلمات محمد معوش هي الجسر الحقيقي الذي يربط بين معاناة الأجداد ورفاهية الأحفاد، فالرجل الذي قطع آلاف الكيلومترات في ملاعب ترابية من أجل أن تنال الجزائر استقلالها الرياضي والسياسي، يرى اليوم في ملاعب الجزائر الجديدة تجسيداً حياً لـ “مسارات التحول الوطني”، لتبقى تلك الصُرُوح شاهداً على أن الدولة التي بدأت ثورتها الرياضية من حافلات غسيل الملابس، باتت اليوم تبهر العالم بأيقونات هندسية عالمية.
ملاعب …. أبهرت القارة
وتشهد اليوم كرة القدم، طفرة تاريخية غير مسبوقة على مستوى البنية التحتية والمنشآت القاعدية، فخلال السنوات القليلة الماضية، تحولت الملاعب الجديدة من مجرد حبر على ورق ومشاريع معطلة إلى واقع ملموس يضاهي أكبر المسارح الكروية في العالم. هذه “الانتفاضة الهيكلية” لم تعد مجرد تجميل للواجهة الرياضية للبلاد، بل أصبحت ركيزة أساسية تدعم الطموحات الكروية للمنتخبات الوطنية والأندية المحلية على حد سواء.
لسنوات طويلة، عانت الكرة الجزائرية من معضلة الملاعب وتدهور أرضياتها، مما أثر سلباً على مستويات الدوري المحلي وجعل استقبال “الخضر” لمنافسيهم يقتصر على خيارات محدودة جداً. لكن المشهد تغير جذرياً بفضل خطة استراتيجية صارمة لإعادة إحياء وتدشين المشاريع الكبرى.
البداية كانت من الغرب الجزائري مع مركب “ميلود هدفي” بوهران (40 ألف مقعد)، الذي كان بوابة الجزائر لإبهار العالم خلال ألعاب البحر الأبيض المتوسط 2022. تلاها تدشين تحفة “نيلسون مانديلا” ببراقي في العاصمة (40 ألف مقعد)، والذي افتُتح بمواصفات “الفيفا” ليحتضن بطولة إفريقيا للاعبين المحليين (شان 2022)، وحاز على إشادة دولية واسعة من مسؤولي الاتحادين الدولي والإفريقي.

ولم تتوقف العجلة عند هذا الحد، بل تدعمت الساحة الرياضية بـ ملاعب “حسين آيت أحمد” بتيزي وزو (50 ألف مقعد)، المعقل الجديد لنادي شبيبة القبائل، وملعب “الشهيد علي عمار” (علي لابوانت) بالدويرة (40 ألف مقعد)، الذي وُضع تحت تصرف نادي مولودية الجزائر. هذه المنشآت لم تعد مجرد مستطيلات خضراء، بل مركبات أولمبية متكاملة تضم قاعات متعددة الرياضات، مسابح، وفنادق، مما يجعلها قادرة على استضافة أكبر الأحداث الإقليمية والدولية.
إن انعكاس هذه المنشآت على المنظومة الكروية يتجاوز الجانب الجمالي إلى أبعاد فنية وتنافسية عميقة، ولعل أكبر المستفيدين هو المنتخب الوطني الأول. بوجود هذه الملاعب الموزعة عبر مختلف أرجاء الوطن (العاصمة، وهران، عنابة، قسنطينة، تيزي وزو)، لم يعد “الخضر” رهائن لملعب واحد. هذا التنوع يمنح الطاقم الفني حرية اختيار المدينة والملعب الذي يناسب طبيعة اللقاءات والخصوم، بالإضافة إلى تقريب المنتخب من جماهيره في كل الولايات.
و لطالما اشتكت الأندية الجزائرية، خاصة المشاركة في منافسات دوري أبطال إفريقيا وكأس الكونفدرالية، من غياب الملاعب التي تساعد على تقديم كرة قدم حديثة وسريعة. اليوم، بوجود أرضيات هجينة وعشب طبيعي من أعلى طراز، بات بإمكان أنديتنا استقبال منافسيها الأفارقة في ظروف مثالية تزيد من فرص التتويج القاري، فضلاً عن تسويق صورة تليق بسمعة الكرة الجزائرية، إن توفير منشآت ملحقة وملاعب تدريب عصرية داخل هذه المركبات يتيح للمواهب الشابة التدرب في ظروف احترافية، مما يقلص الفجوة بين اللاعب المحلي واللاعب المحترف في أوروبا.
اللافت في السياسة المنتهجة حالياً هو عدم حصر هذه الطفرة في العاصمة أو المدن الكبرى الشمالية فقط. فالخطط المستقبلية التي انطلقت بالفعل تتجه نحو خلق توازن جهوي يمنح كل شبر من الجزائر حقه في التنمية الرياضية.
ومع الانطلاق المرتقب لمشاريع جديدة في ولايات الجنوب والهضاب، مثل ورقلة وبشار وباتنة وسطيف وبجاية، وتوسعة ملاعب تاريخية مثل ملعب 5 جويلية، تستعد الجزائر لامتلاك واحدة من أقوى البنى التحتية الرياضية في إفريقيا، وهو ما يسمح لها باحتضان أي منافسة رياضية مهما كان حجمها.
نجم الكرة الجزائرية و أحد صناع ملحمة خيخون لخضر بلومي قال للشروق أن الجزائر، بفضل ملاعبها الجديدة مثل ملعب “نيلسون مانديلا” ببراقي، وملعب “ميلود هدفي” بوهران، وتحفة تيزي وزو والدويرة، أصبحت “قادرة على احتضان أي منافسة كروية مهما كان حجمها، سواء كانت كأس أمم إفريقيا أو حتى تظاهرات دولية أكبر”، وأشار الأسطورة إلى الفارق الشاسع مقارنة بالجيل السابق: “كنا في السابق نلعب في ظروف صعبة وعلى أرضيات لا تليق بمهارات اللاعب الجزائري، أما اليوم، فالجيل الحالي محظوظ بامتلاك منشآت عالمية بمواصفات الفيفا”، معتبراً أن هذه الملاعب هي “مفخرة حقيقية للجزائر”.
وأوضح بلومي أن توفر هذه الملاعب الحديثة يرفع الضغط عن المنتخب الوطني، ويمنح اللاعبين (خصوصاً المحترفين في أوروبا) أرضيات ممتازة تُساعدهم على تقديم كرتهم السريعة والمعتادة، كما تُسهم في تسويق صورة مشرفة جداً عن الكرة المحلية إفريقياً ودولياً.
رياض محرز يشيد بالملاعب الجزائرية
قائد المنتخب الوطني رياض محرز لطالما عبّر في خرجاته الإعلامية عن انبهاره وفخره الكبير بالثورة المنشآتية والملاعب الجديدة التي شُيدت في الجزائر، معتبراً إياها مكسباً تاريخياً للأجيال الصاعدة والكرة الإفريقية برمتها وكان من أوائل النجوم الذين خاضوا مباريات على أرضية مركب وهران الجديد (ميلود هدفي) رفقة المنتخب، ولم يُخفِ إعجابه الشديد بالمنشأة، حيث صرّح بأن الملعب بمواصفاته الفنية وأرضية ميدانه الممتازة يمنح اللاعبين رغبة مضاعفة في العطاء، مشيداً بالهندسة وتصميم المدرجات القريبة من الميدان والتي تزيد من حماس الجماهير.
وخلال تدريبات ومباريات “الخضر” بملعب براقي بالعاصمة، أكد محرز في تصريحات للصحافة الوطنية “أن امتلاك الجزائر لملعب بهذا الحجم والعصرنة هو أمر يبعث على الفخر”: “هذه الملاعب تملك مواصفات أوروبية وعالمية، وهي قادرة على احتضان أكبر المنافسات الدولية دون عقدة. الجزائر باتت تمتلك بنية تحتية تليق بسمعة منتخبها وشعبها الشغوف”.
تصريحات رياض محرز تعكس نظرة اللاعب المحترف الذي يدرك أن المنشآت العالمية هي خطوة البداية لأي نجاح، وحين يرى القائد جيل الشباب (مثل عمورة وغويري وبشير بلومي) يستهلون مشوارهم الدولي في هذه “الملاعب” العالمية، فإنه يدرك تماماً أن مستقبل الكرة الجزائرية بين أيدٍ أمينة، وأن مسارات التحول الوطني قد أثمرت واقعاً رياضياً يضاهي الأحدث في العالم.

اليوم، يمتد هذا المشعل ليتسلمه جيل محمد أمين عمورة، وأمين غويري، الفارق أن هذا الجيل لا يبحث عن الاعتراف الدولي ببلاده مثلما سعى اليه جيل كرمالي وزيتوني، ومخلوفي رحمة الله عليهم، بل يقود دولة ناشئة تملك تطلعات عالمية، وتستند إلى ترسانة من الهياكل الرياضية التي تبهر الملاحظين، لتتحول الجزائر إلى رائدة إفريقية في هذا المجال.
لا تبدو هذه المنشآت الرياضية العملاقة مجرد جدران من إسمنت وأرضيات من عشب، بل هي شواهد حية تختزل بصوت فصيح “مسارات التحول الوطني ومعالم الدولة الناشئة”.
إن الجزائر التي تخطو اليوم بثبات نحو كتابة فصل جديد في الاستحقاقات القادمة، تصنع في الوقت ذاته نموذجاً مبهراً في الريادة والسيادة، نموذجاً يربط برباط وثيق بين تضحيات أجدادٍ صنعوا الثورة بأقدام حافية في الخمسينيات، وطموحات أحفادٍ يعزفون سحرهم الكروي فوق صروح عالمية تُبهر الأنظار.
إنها حكاية وطن لم يكتفِ باسترجاع حريته فحسب، بل شيد بهويته وعزيمته نهضة منشآتية شاملة، لتظل راية “المحاربين” خفاقة في سماء المحافل الدولية، شاهدة على كبرياء أمة ولدت من رحم الكفاح لتسكن قمم النجاح.
