من وحي ملتقى ابن نبي
عقد في مدينة تلمسان في أيام 12 – 13 – 14 ديسمبر 2011 ملتقى دولي عن المفكر مالك ابن نبي، الذي حضرته ثلة من العلماء والباحثين لمناقشة موضوع هام هو: “مالك ابن نبي واستشراف المستقبل، من شروط النهضة إلى شروط الميلاد الجديد”.
- وقد تبين من البحوث التي أُلقيت والمناقشات التي أعقبتها أن كثيرا من أفكار ابن نبي وآرائه صالحة لإقامة نهضة شاملة في العالم الإسلامي، خاصة أن أصحاب هذه البحوث متنوّعو التخصصات، وأن التجربة الماليزية التي اتخذت أفكاره قاعدة لها أثبتت صلاحها ونجاعتها.
ولم يكن جميع المشاركين من المسَلّمين لمالك ابن نبي فيما ارتأى من آراء، وفيما جاء به من أفكار، بل إن أحدهم صرّح في حماسة كبيرة بأنه جاء لـ “قتل مالك ابن نبي فكريا”، ووجد آحادا من الناس فيما ذهب إليه.
وممن حضر هذا الملتقى أستاذان فاضلان هما عمر كامل مسقاوي (من لبنان) ومحمد رفعت الفنيش (ليبي) عايشا ابن نبي في القاهرة بضع سنين، واستمرت علاقتهما به حتى أتاه اليقين.
ومما ذكره الأستاذان أن آخر محاضرة ألقاها ابن بي كانت في مسجد المرابط بدمشق في 22 ماي سنة 1972. وكان عنوانها “رسالة المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين”، وقد سبقتها محاضرة ألقاها في 28 مارس 1972 في رابطة الحقوقيين بدمشق وكان عنوانها “دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين”. وقد جمعت المحاضرتان ونشرتا في كتيّب تحت عنوان “دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين”. وقد لخّص ابن نبي المحاضرتين وألقاهما علينا في “مسجد الطلبة” بجامعة الجزائر، بعد عودته من رحلته المشرقية تلك.
ويجب أن نعترف ـ والألم يعصر قلوبنا ـ أن هذا المسلم ـ كأمّة ـ لم يقم بأي دور، ولم يؤدّ أية رسالة، بل إن وضعنا ـ كأمة ـ ازداد تدهورا، واستفحلت فينا تلك الأمراض التي طالما حذّر منها ابن نبي، ومنها هذا الداء العضال الذي سماه “القابلية للإستعمار (*)”، وتعرض بسببه إلى حملة مغرضة شرسة تولى كِبرها من أُسمّيهم “منا فقي الوطنية ومحتكريها (**)” في طول العالم الإسلامي وعرضه.
وإنه لا أدلّ على وجود هذه “القابلية للاستعمار” واستشرائها فينا ـ وفي قادتنا خاصة ـ من هذا الذي كنّا عليه شهودا حتى ما نُسائل عنه أحدا، وهو استنصار بعضنا بأعدائنا على بعضنا، واتخاذ هؤلاء الأعداء أولياء، ومساءلة وزير خارجيتنا من طرف لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الفرنسي و.و.و”اللهم لا نسألك ردّ القضاء ولكن نسألك اللطف فيه”.
أستسمح الأستاذين الكريمين في أن أستدرك عليهما بالقول إن آخر محاضرة للأستاذ ابن نبي ـ فيما أعلم ـ هي التي ألقاها في شهر جانفي من سنة 1973، وقد ألقاها على ضباط المدرسة العسكرية لمختلف الأسلحة بشرشال، وعلى الطلبة الضباط الاحتياطيين (الدفعة الثامنة) التي كنت أحد أفرادها تحت قيادة الملازم أول ـ آنذاك ـ محمد رمضاني ذكره الله بخير.
كان عنوان المحاضرة هو “العمل المخطط والأيديولوجيا”، وقد نشرت في العددين الأول والثاني من مجلة الكلية العسكرية لمختلف الأسلحة، الصادرين في جوان وديسمبر من سنة 1975، وأعادت نشرها دار “عالم الأفكار” في الجزائر ضمن مجموعة من المحاضرات والأحاديث لمالك ابن نبي تحت عنوان “الحقيقة والمآل”.
عرف ابن نبي المخطط بأنه “هو تنظيم العمل الجماعي” مشيرا إلى أن أي عمل يجب أن يتقدمه جواب عن “كيف نعمل؟”، وجواب عن “لماذا نعمل؟” وذكر أن سؤال”كيف نعمل؟” يجيب عنه “العِلم”، وأن سؤال “لماذا نعمل؟”، تجيب عنه “الأيديولوجيا”، التي هي ـ كما يقول ـ “قضية كبيرة، وليست هينة”، فهي “الطاقة الخفية، والطاقة النفسية التي تتدخّل في ورشة العمل وفي المعركة العسكرية، مثل “الثورة الجزائرية التي انطلقت على أساس أيديولوجي ضمني”. وأشار في هذه المحاضرة إلى ما سماه “الوعد الأدنى” و”الوعد الأعلى”، وأنه إذا كانت طبيعة الوعد الأول في التغير، فإن طبيعة الوعد الأعلى هي الاستمرار وعدم التغير..
إن الذي أستطيع أن أعقد به الآن هو أن الأعمال التي قمنا بها في الجزائر يبدو أننا لم نجب فيها لا على سؤال “كيف” ولا على سؤال “لماذا”، فهي أعمال تفتقد السلامة والجمال، وكثير منها تفوح منها رائحة الخيانة…والأمثلة على ذلك لا تحصى، وآخرها الميترو والترامواي…
وما أ َنْس لا أنْسى ذلك السؤال المحرج الذي سألنيه في لندن في خريف 1975 المستشرق البريطاني مايكل بريث ـ المتخصص في تاريخ الجزائر المعاصر ـ وهو: “لماذا لا يوجد أثر لفكر مالك ابن نبي في الجزائر؟”، وقد هممتُ أن أجيبه بأن سبب ذلك هو أن شعار أكثر مسئولينا هو: “ما نحبّوش اللي يعطينا دروس”، وما منعني من ذلك إلا تذكري المثل العربي القائل: “أنفك منك ولو كان أَذَنَّ”…
وأغتنم مناسبة عقد هذا الملتقى عن مالك ابن نبي لأتساءل عن سبب عدم الترخيص لـ “مؤسسة مالك ابن نبي” التي وضع ملفها في وزارة الداخلية منذ ثماني حجج، فهل سيرخّص لها عندما تشرق الشمس من مغربها؟
*) يرفض الإمام الإبراهيمي استعمال كلمة “الاستعمار” في هذا المعنى الخسيس، ويعتبرها ـ وهو محق ـ “مظلومة”، لأن أصلها في لغتنا ـ كما يقول ـ طيّب، وفروعها طيبة، ومعناها القرآني أطيب وأطيب، ولكنهم ترجموا بها المعنى خسيس لا تقوم به عربة مزابل…
انظر: جريدة البصائر.ع 2 ـ في 1 / 8 / 1947. وآثار الإبراهيمي ج3. ص 506.
**) منافقو الوطنية كمنافقي الدين يراءون الناس بالوطنية وهم أعدى أعدائها، ومحتكروها هم الذين ينفون الوطنية عن غيرهم ولو كانوا أكثر وطنية منهم.
***) الأنف الأذن هو الأنف الذي يسيل مُخاطه…