-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

موت الفجأة يأخذ الأرواح ويقرع القلوب

سلطان بركاني
  • 1241
  • 0
موت الفجأة يأخذ الأرواح ويقرع القلوب

يشهد العالم في الأشهر والأيام الأخيرة أحداثا ووقائع، ويعيش ظروفا وأحوالا، يفترض أن يُنظر إليها بأعين القلوب قبل العقول.. أوروبا القارة العجوز تشهد خريفا ديموغرافيا منذرا ومخيفا، حتى اضطر بابا الفاتيكان إلى دعوة الأوروبيين لإنجاب الأطفال بدلا من تربية القطط والكلاب.. جفاف هو الأسوأ منذ 500 عام؛ أنهار كبرى تجف، حتى ظهرت صخور كانت تستخدم للدلالة على انخفاض منسوب المياه، مكتوب عليها: “إذا رأيتني فابكِ”.. الخبراء يتوقّعون حروبا قادمة حول المياه ومصادرها.. مروج خضراء وحدائق غناء كانت أوروبا تباهي بها العالم تحولت إلى هشيم تذروه الرياح.. توقعات بأنّ أوروبا ستكون هذا العام على موعد مرتقب مع شتاء قارس لم تشهد له نظيرا منذ قرون… كل ذلك، ولا يزال كثير ممّن يعلمون ظاهرا من الحياة الدّنيا يرفضون الربط بين هذا الذي يحدث وبين انتشار الفواحش وشيوعها في هذا العالم الذي ينحدر في درك سحيق نحو الجاهلية!

الذنوب التي أُهلك بها قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط، اجتمعت كلّها في البشرية في السنوات الأخيرة.. قبل أيام، نشرت الصحيفة البريطانية المشهورة (Dailymail) تقريرا ضمّنته تحذير ناشطةٍ ألمانية في منظمة “حقوق الحيوان” من انتشار ظاهرة اغتصاب الحيوانات، وأنذرت بأن بيوت الدعارة الحيوانية (Bestiality brothels) آخذةٌ في الانتشار والتوسُّع في ألمانيا! بل إنّ بعض هؤلاء المنتكسين عن الفطرة نظّموا مسيرة طالبوا فيها بالترخيص لهذا الفساد ووقف تجريمه! سبحان الله! حتّى قوم لوط لم ينزلوا إلى هذا الدّرك.. البشرية في هذه الأيام استحقّت أن تعاقب بالطّوفان والصّاعقة والصّيحة والرّيح العاتية وتقذف بالحجارة من السّماء، لكن: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُون﴾.

إنّه لأمر مخيف حقا أن تحلّ كلّ هذه النذر، والبشرية لا تزال ماضية في غيّها.. ﴿وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.. ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.. الله -جلّ وعلا- يرسل بالقوارع والكوارث -بأسبابها- إنذارا للعباد لعلّهم يرجعون، كما قال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون﴾.. وقد يرسل الله -جلّ جلاله- القوارع ويبتلي بالكوارث عباده المسلمين، حتّى يرجعوا إلى دينهم، ولا يسيروا خلف الكافرين إلى حيث جحر الضّب وإلى حيث يستحقّون العقاب والهلاك.. وقد يبتلي الله -سبحانه وتعالى- الصالحين ليتّخذ منهم شهداء، ويخوّف بما وقع لهم من هو موغل في الفساد..

لقد رأينا جميعا البلاء الذي ألمّ بإخواننا في باكستان منذ شهرين؛ فيضانات عارمة وجارفة تأتي على ثلث مساحة البلاد.. حوالي ألفي شخص ماتوا، نسأل الله أن يحشرهم مع الشهداء.. أكثر من مليون منزل هدم، وأكثر من 30 ألف هكتار من الأراضي الزراعية جرف، وأكثر من 33 مليون شخص شرّدوا.. ولعلّنا قد تابعنا أيضا ما حلّ بإخواننا المبتلين في اليمن؛ حيث الفيضانات التي أثرت على 51 ألف أسرة معظمها من النازحين.

قبلها، في أماكن كثيرة من هذا العالم، وفي بلاد مسلمة عدة، اضطرمت حرائق مروّعة، أودت بحياة العشرات والمئات.. وقد رأينا شيئا من ذلك في بلدنا الجزائر في الأسابيع الماضية.. وكان ينبغي لنا أن نتذكّر ونتفكّر ونتّعظ ونعتبر.. أسر تخرج للنزهة فرحة مسرورة، يعود أفرادها جثثا متفحّمة في التوابيت، لا يجد المغسّل كيف يغسّلها.. حوادث المرور بدورها ترتفع وتيرة ضحاياها في العالم أجمع، وفي بلادنا خاصّة، بشكل لافت يهزّ القلوب.. ضحايا هذه الحوادث تشغل النّاس هذه الأيام.. شباب في ريعان الشّباب يلقون حتفهم في حوادث مروّعة، وأسر كاملة تلقى الله فجأة في سيارة أو حافلة.. أمّا أخبار القتل والاعتداءات فقد استحوذت على العناوين وملأت المواقع، وأدمت قلوب الغيورين على دينهم؛ عصابات لم تجد من يردعها تروّع الأبرياء وتسيل الدّماء وتقتل بكلّ برودة لكأنّها قد أمنت كلّ عقاب!

تلك القوارع وهذه الحوادث، تتزامن مع ظاهرة ينبغي لها أن تقرع القلوب وتهزّ الأرواح، هي كثرة موت الفجأة في هذه الأسابيع والأيام الأخيرة.. أخبار الموت في كلّ يوم وكلّ ساعة، وفي كلّ مكان.. مواقع التواصل الاجتماعي امتلأت بالتعازي، وأكثر المعزّى فيهم هم من الشّباب الذين تنشر صورهم وهم يبتسمون ويضحكون، بعد أن يلقوا ربّهم فجأة على حال لا يعلمها إلا الله.. خيم العزاء تنتقل من حيّ إلى حيّ ومن شارع إلى شارع.. المغاسل والنعوش لا تكاد تستقرّ في ساحات المساجد إلا قليلا.. خياطو الأكفان لا يتوقّفون عن العمل إلا قليلا… كثر الموت من حولنا، وتوالت فجأتنا بكثرة الأموات في هذه الأيام، وذهلنا بكثرة الرّاحلين من حولنا.. كنّا قبل سنوات نتوقّع الموت بين المرضى وكبار السنّ، أمّا في هذه الأيام فقد أصبح الموت يأخذ الأصحاء قبل المرضى والصّغار قبل الكبار.. نسأل الله أن يحسن ختامنا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!