نازيةٌ جديدة بدعم صليبي حاقد
“لا يحتاج المرءُ إلى أن يكون يهوديًّا حتى يكون صهيونيًّا”.. عبارة شهيرة قالها الرئيسُ الأمريكي جو بايدن منذ سنوات وجسّدها طوال عهدته الأولى من خلال الدعم غير المحدود للاحتلال الصهيوني على غرار الرُّؤساء الأمريكيين السَّابقين كلّهم، لكنّ الملاحَظ أنّه فاقهم جميعا حينما صدّق قبل أيام، وبعينين مغمضتين، الرواية الصهيونية المتهافتة التي ادّعت – ومن دون تقديم أيّ دليل – أنّ مقاتلي حماس قطعوا رؤوس أربعين طفلا صهيونيا وأحرقوا جثامين بعضهم، ثمّ تبنّى رواية ثانية للاحتلال بأنّ الذي قصف مستشفى المعمداني بغزة وقتل أزيد من 500 طفل وامرأة وطبيب وممرّض ومدني، هو حركة الجهاد، وبصاروخٍ أخطأ هدفه؟!
لو كان بايدن يعقل لأدرك بسهولة أنّ صواريخ الجهاد وحماس وباقي فصائل المقاومة هي ذات قدراتٍ تدميرية محدودة، وأحيانا تنهال آلافُ الصواريخ على المستوطنات فلا تخلّف سوى خسائر بشرية ومادّية ضئيلة، وقد رأينا ذلك بوضوح في جولات قتالٍ عديدة بين المقاومة والاحتلال منذ حرب 25 ديسمبر 2008 إلى اليوم، فكيف يصدّق بايدن بأنّ صاروخا متواضعا لحماس أو الجهاد قد أحدث هذه المجزرة الرهيبة في مستشفى المعمداني؟!
الأمرُ ذاته ينطبق على قادة الغرب كلهم، باستثناء فنلندا الصغيرة، فقد تصهْيَنوا بدورهم جميعا وانحازوا إلى جانب نظام الأبارتايد الصهيوني حينما شعروا أنّ ما حدث في 7 أكتوبر يختلف تماما عن حروبه السابقة كلّها، وأنّ وجوده ذاته بات مهدَّدا؛ فهذه المعركة هي أنموذجٌ مصغَّر لكيفية اجتياح المقاومة أراضي 1948 وتحريرها مستقبلا وانهيار الكيان بعد هزيمة جيشه وعودة ملايين المستوطنين من حيث جاء أجدادُهم، لذلك هبّ قادةُ الغرب على قلب رجل واحد لإنقاذ الاحتلال ودعمه ومنحه الضوء الأخضر لارتكاب مذابح مهولة بحقّ المدنيين الفلسطينيين بغزة أملا في تهجيرهم إلى سيناء وتوطينهم هناك، ومن ثمة تصفية القضية الفلسطينية بالقوة لصالحهم وإلى الأبد، ولم نسمع منهم إدانة واحدة لعشرات المجازر التي ارتكبها الاحتلالُ في الأيام الماضية في غزة بعد تسوية أحياءٍ كاملة بالأرض.. 50 عائلة أبيدت عن بكرة أبيها ولم يُدِن هؤلاء القادة الغربيون أيَّ مجزرةٍ منها، وأزيد من 3 آلاف مدني أستُشهد، 60 بالمائة منهم أطفالٌ ونساء، و11 ألف مدني أصيب بجراح مختلفة، والقصف الوحشي يدمّر المباني السكنية والإدارات والمساجد والكنائس والمحالّ التجارية والمستشفيات… من دون أن ينبس هؤلاء الحاقدون، رعاةُ الإسلاموفوبيا في بلدانهم، بكلمةٍ واحدة، بل انطلق بعضُهم إلى شعوبهم يقمعونها ويمنعون عنها التضامن مع المدنيين في غزة ويسجنون كلّ من قال كلمة حقّ وأدان وحشية الاحتلال وعنصريته وجرائمه ضدّ الإنسانية.
واليوم وقد قصف الاحتلالُ مستشفى المعمداني وارتكب مجزرة بشعة بحقّ 500 مدني على الأقل، فقد سقطت آخرُ ورقة توتٍ عن هؤلاء القادة المتصَهْينين؛ إذ رفض أغلبُهم إدانتها بشكل صريح لا لبس فيه واكتفوا بالتعبير عن “رفضهم” و”ألمهم” مما شاهدوه، وأدانها بعضُهم بكلمات خجولة، في حين حملت بياناتُ قادة آخرين الكثيرَ من العتاب للاحتلال أكثر من الإدانة، وكأنّ لسانَ حالهم يقول “ليتك جنّبتنا هذا الإحراج”.
هؤلاء الذين ملأوا الدنيا ضجيجا عقب طوفان 7 أكتوبر، وروّجوا طويلا لـ”وحشية” حماس وقتلها للمدنيين، وقالوا إنّ الحرب الآن هي بين “الحضارة والهمجية؟!” سقطوا سقوطا مدوِّيا مُهينا هذه المرة وبلعوا ألسنتهم تماما وهم يشاهدون هول المجازر التي تُرتكب بحقّ الأطفال والنساء يوميًّا، بل إنّ كبيرهم بايدن لم يتورّع عن زيارة فلسطين المحتلّة للتضامن مع الاحتلال بعد ساعات قليلة من ارتكاب مجزرة مستشفى المعمودي وتأكيد مواصلة دعم أمريكا غير المحدود للنازيين الصهاينة وتوفير كلّ ما يحتاجونه من أسلحة لمواصلة حربهم الجائرة على غزة بذريعة “الدفاع عن النفس”، وهي في الواقع حربٌ ضدّ المدنيين العزّل يشنُّها الاحتلالُ بحقدٍ كبير للانتقام منهم بعد أن عجز عن مواجهة أبطال المقاومة وجها لوجه في الميدان.
في مستشفى المعمودي سقط كلُّ أدعياء الحضارة وحقوق الإنسان والديمقراطية والقانون الدولي الإنساني.. وعادت النازيةُ لتطلّ بوجهها الكريه المُرعب من الكيان الصهيوني وبدعم غربيٍّ صليبيّ واسع، مستفيدةً من هوان عربي وإسلامي رسميّ غير مسبوق في التاريخ.. لكنّ عزاءنا أنّ كلّ هذه الأهوال التي يعيشها سكانُ غزة منذ 7 أكتوبر الجاري لم تدفعهم إلى الاستسلام للنازية الجديدة وتركِ أراضيهم لها، وما زالوا يصرّون على الصمود حتى لو استُشهدوا جميعا، وهذا ما يبشّر بقرب النصر النهائي بإذن الله.. واللهُ غالبٌ على أمره ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون.