نتائج الفصل الأول تكشف عن مستويات مقلقة للتلاميذ
كشف تقييم أولي لنتائج التلاميذ في اختبارات الفصل الدراسي الأول من الموسم الدراسي الجاري 2025/2026، عن حصيلة تربوية مقلقة نوعا ما، وصادمة في بعض المواد، أعادت إلى الواجهة سؤال جودة التعليم وفعالية الإصلاحات المتتالية التي عرفها القطاع خلال السنوات الأخيرة، حيث تم الوقوف على “تعثر دراسي” للمتعلمين في المواد الأساسية، مقابل “تفوق” لافت في المواد الثانوية، ما جعل الكثيرين يتحدثون عن “نجاح شكلي” يخفي وراءه هشاشة معرفية عميقة، بحاجة إلى معالجة بيداغوجية ناجعة وعميقة لرفع وتحسين المستوى في الفصل الدراسي للثلاثي الثاني.
أفادت مصادر “الشروق” أن هذه النتائج الأولية لم تعد حبيسة مكاتب مديري المؤسسات التربوية أو مراكز التوجيه والإرشاد المدرسي والمهني أو دفاتر التقييم، بل أصبحت حديث الأولياء والمعلمين على حد سواء، لأنها تمس جوهر العملية التعليمية، وتطرح تساؤلات عن ماذا يتعلم التلاميذ فعلا؟ وهل المعدلات المحصل عليها تعكس مستواهم الحقيقي أم أنها مجرد “أرقام” لا تعبر عن المستوى الحقيقي للتلميذ؟
ضعف في القراءة للابتدائي وتعثر في العمليات الحسابية
وفي الطور الابتدائي، الذي يُفترض أن يُبنى فيه الأساس الصلب لكل المسار الدراسي، لفتت مصادرنا إلى أن النتائج قد جاءت لتدق ناقوس خطر حقيقي، إذ تم تسجيل ضعف واضح في التحكم في مهارات القراءة، الفهم، والكتابة في مادة اللغة العربية بتحصل غالبية المتعلمين على علامات أدناها 7 وأعلاها 14 من 20، يقابله تعثر دراسي كبير في العمليات الحسابية الأساسية في الرياضيات، بحيث وردت علامات أغلبهم “مقلقة” تراوحت بين 06 و11 من 20.
وفي هذا الصدد، أكد معلمون أن عدداً معتبراً من التلاميذ في السنوات الثالثة والرابعة لا يزالون يعانون من صعوبات في القراءة السليمة وفهم النصوص البسيطة، وهو ما ينعكس آلياً على بقية المواد.
ومن ثمّ، فهذه المؤشرات تطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة البرامج الدراسية، كثافة المضامين، وتيرة الإنجاز، وحتى طرق التقويم المعتمدة حاليا.
نتائج مقبولة نسبيا لمادة اللغة الإنجليزية
وفي مقابل ذلك، فقد وقفت معظم المدارس الابتدائية على مفارقة لافتة، والتي أثارت دهشة الفاعلين التربويين، وتمثلت في النتائج المقبولة نسبياً لمادة اللغة الإنجليزية، رغم حداثة إدراجها في هذا الطور القاعدي، إلا أن التلاميذ قد أبدوا شغفاً ملحوظاً بهذه اللغة، وتفاعلاً أكبر معها مقارنة بالعربية، بتحصل غالبيتهم على علامات جيدة وممتازة تراوحت بين 15 و16 و17 من 20، ما يعكس تحولات ثقافية وإعلامية عميقة، لكنه في الوقت ذاته يطرح إشكالية جعل اللغة الأم مادة محببة وقريبة من المتعلم.
المواد الفنية منقذة للتلاميذ في الطور المتوسط
أما في التعليم المتوسط، فقد أشارت ذات المصادر إلى أن الصورة لم تكن أكثر إشراقا، حيث تشير التقارير الواردة من المؤسسات التربوية إلى نتائج عامة دون المتوسط، مع تفاوت كبير بين المواد. غير أن الملاحظ الأبرز هو اعتماد عدد كبير من التلاميذ على المواد الفنية والرياضة لرفع المعدلات النهائية.
ولذا، فقد تحولت مواد مثل التربية الفنية والتشكيلية، الموسيقى، والتربية البدنية والرياضية، إلى “طوق نجاة” أنقذ التلاميذ بمنحهم معدل 10 من 20، رغم فشلهم في اللغات الأجنبية، وكذا في مادة الرياضيات، حيث جاءت علاماتهم متدنية أدناها 1 من 20 وأعلاها 14 من 20 في العموم، بالإضافة إلى تعثرهم المقلق في مادة العلوم الطبيعية، حيث تحصل غالبيتهم على نقاط تراوحت بين 10 و15 من 20.
ورغم أهمية هذه المواد في تحقيق التوازن النفسي وبناء الشخصية، إلا أن توظيفها كوسيلة “لترقيع” الضعف التعليمي يطرح إشكالية خطيرة وهي أن المعدل المحصل عليه قد لا يعكس المستوى.
وخلق هذا الواقع ما يسميه بعض المختصين بـ”المعدل المنفوخ”، حيث ينتقل التلميذ إلى مستوى أعلى من دون امتلاك الكفاءات القاعدية اللازمة، لتتراكم الفجوات سنة بعد أخرى، حتى تنفجر في الطور الثانوي أو في الامتحانات الرسمية.
تفوق ملحوظ للشعب العلمية في مرحلة الثانوي
وبخصوص الطور الثانوي، فقد أكدت المصادر نفسها أن التقييم الأولي للاختبارات قد ظهر في أوضح صوره، وبالتالي فإن الشعب الأدبية قد سجلت نتائج وُصفت بالكارثية، خاصة في مواد اللغات الأجنبية والفلسفة، حيث تم الوقوف على ضعف في التحليل، فقر لغوي، وعجز عن التعبير الكتابي، ما ينذر بتخريج أجيال غير قادرة على التفكير النقدي أو التواصل السليم.
أما الشعب العلمية، فقد أبرزت مصادرنا أنه ورغم احتفاظها “بتفوق نسبي”، إلا أنها لم تسلم من تراجع مقلق في الرياضيات، هذه المادة التي تُعد العمود الفقري للتخصصات العلمية والتكنولوجية، لكنها أصبحت تشكل هاجساً للتلاميذ وأوليائهم، وتطرح تساؤلات حول طرائق التدريس المعتمدة، حجم البرامج الدراسية، ومدى ملاءمتها لمستويات المتعلمين.
وفي هذا الصدد، حذر أساتذة في الطور الثانوي من أن استمرار هذا التراجع، سيؤثر مباشرة على مخرجات الجامعة، وقدرة الطلبة على مواكبة التخصصات الدقيقة، خاصة في مجالات الهندسة، التكنولوجيا، والعلوم الدقيقة.
بين المسؤولية البيداغوجية والواقع الاجتماعي
وبناء على ما سبق، فإنه لا يمكن قراءة هذه النتائج بمعزل عن السياق العام، والمتمثل في تأثير الوسائط الرقمية والتغيرات المتسارعة في البرامج والضغط النفسي على التلميذ والاكتظاظ في الأقسام، مع نقص التأطير أحيانا، وكلها عوامل تتقاطع لتنتج هذا التعثر الدراسي.