نحتاج إلى تجربة شبيهة في الجزائر، بعد تغيير القائمين على الكتاب
يوثق الكاتب والإعلامي والناشط الثقافي عبد الرزاق بوكبة حضوره الدائم في مهرجان الشارقة القرائي ويكتب ويتحدث عن الفعالية بشغف، سعيا منه لنقل التجربة إلى الجزائر، التي يقول إنها محتاجة إلى هكذا مبادرات ثقافية، “الشروق” التقت بوكبة الذي بات من الشخصيات التي لا يستغني هذا المهرجان عن حضورها وكان هذا الحوار:
واكبت مهرجان الشارقة الدولي القرائي للطفل منذ بداياته. ودائما تشيد به، ماذا يحفزك في هذه التجربة؟
لطالما سمعنا في الجزائر عبارة “الطّفل رجل المستقبل”، من طرف المنظومات المختلفة التي تشرف على رسم السياسات في البلاد، خاصة المنظومة السياسية، لكننا لم نلمس تجسيدا لهذه المقولة في الميدان، الذي يفتقد إلى تقاليد بديهية، مثل الأرجوحات، ناهيك عن المبادرات المتعلقة بتشكيل الوعي وتحقيق الفرجة. هل لاحظت أن الطفل الجزائري محتاج حتّى إلى أرجوحة في الفضاء العام؟ فهو يلجأ إلى ربط حبل بين شجرتين؟ وما يوجد منها غير كاف وغير آمن. ومن هنا، لمست في مهرجان الشارقة القرائي للطفل رؤية متكاملة لدى القائمين عليه للقيام باحتياجات الطفل نفسيا وفكريا وذوقيا وجسديا وصحيا وتكنولوجيا، ويهمني بصفتي ناشطا ثقافيا أن أدعو إلى نقل التجربة إلى بلادي، بالنظر إلى حاجة أطفالنا إليها من جهة، وقدرتنا المالية على ذلك من جهة ثانية.
كيف نطبق نجاح تجربة الإماراتيين؟ هل المال وحده شرط كاف؟
نملك المال. فما صرفته مؤسساتنا الثقافية الحكومية في تظاهرات وبرامج كثير جدا، لكنها لم تترك أثرا يذكر، نظرا لأن الهدف منها كان سياسيا وليس ثقافيا وحضاريا، ولأن تبييض المال العام كان من بين خلفيات ترسيمها، ولأنها أوكلت ما عدا في حالات قليلة لغير الجديرين بها. هنا في الشارقة لا تجد شيئا من هذا. فهم يعرفون من أين ينطلقون وكيف يصلون وإلى أين يصلون، وفق رؤية استراتيجية تراعي العلوم والجماليات في الوقت نفسه.
هل تدعو لتغيير الوجوه والتوجهات المسيطرة على سوق الكتاب في الجزائر؟
لقد بحّ لساني وقلمي في الدعوة إلى ذلك، رفقة قطاع واسع من النشطاء والفاعلين الغيورين على الواقع والمستقبل الثقافي في البلاد. إذ أن المسؤوليات في هذا الباب تعطى حسب الولاءات لا الكفاءات. وهو ما جعلنا نصرف على الأفعال الثقافية كثيرا ولا نجني من ذلك قليلا. وهو المعطى الذي يجب أن يتغيّر في الحكومة التي سيفرزها المستقبل الذي يسعى الحراك الشعبي والسلمي إلى أن تكون. لا بد من حراك ثقافي حقيقي ليكون مرافقا للحراك السياسي.
اذكر لنا بعض ما أعجبك في مهرجان الشارقة الخاص بالطفل؟.
إنّ المهرجان بني أساسا على التكامل في بناء شخصية الطفل. فورشاته وندواته وبرامجه وأجنحته ومعارضه ومساحاته موجهة إلى أن يتعلم الطفل، سواء كان إماراتيا أو مقيما، كيف يأكل ويشرب صحيا وكيف يقرأ ويكتب ويتعامل مع محيطه العام ويتجنب فخاخ الحياة العلمية والاجتماعية، ويتعامل مع أغراضه ونقوده وهداياه وأجهزته. بالموازاة مع ذلك كيف يكون مؤمنا بقيم الحوار والاختلاف، فلا يكبر مبرمجا على الفكر الأحادي، بما يمهد له الطريق إلى أن يكون فعالا لا خامدا وإيجابيا لا سلبيا ومتشاركا لا إقصائيا وقويا لا ضعيفا ومتفتحا لا منغلقا.
ثم إن المعرض لا يفيد شريحة الأطفال فقط، بل شريحة الأولياء أيضا، إذ يمنحهم الفرصة لأن يتعلموا كيف يتعاملون مع رغبات ونفسيات وذهنيات وتطلعات أطفالهم، فيصبحوا مرافيقين لهم لا مهيمنين عليهم، بما يعمل على كسر الحواجز النفسية والفكرية التي يمليها العمر بين الطرفين. إنه مهرجان الأسرة المتكاملة بامتياز. وهذا ما نحتاج إليه في مستقبلنا الجزائري، إذ لا نستطيع أن نبني نظاما سياسيا متكاملا من غير نظام أسري متكامل.
كيف السبيل برأيك لتحقيق شراكة بين إمارة الشارقة ووزارة الثقافة في الجزائر؟
لم أجد عند المشرفين على المهرجان، في مقدمتهم مدير المهرجان ورئيس هيئة الشارقة للكتاب ومدير مدينة الشارقة للنشر الأستاذ أحمد ركاض العامري تردّدا في ذلك، فالجماعة مستعدون لأن يتعاونوا معنا في هذا الباب، إذ يملكون خبرة عالمية في مجال صناعة الكتاب وتسويقه وترجمته وتنظيم الفضاءات الخاصة به، وعلينا الاستفادة منها، مع مراعاة خصوصياتنا المختلفة. كما أننا مطالبون بأن نحضر في مشروع مدينة الشارقة للنشر التي تعد أكبر منطقة حرة للكتاب في العالم، بكل ما يترتب عن ذلك من تسويق كتابنا في القارات الخمس ونقل كتبها إلى مشهدنا الوطني. علينا أن نخرج من مقام العزلة في هذا الباب، فلدينا ثراء أدبي وثقافي وحضاري وفني وعلمي رائع وصارخ جدير بأن يشعّ عالميا.
هل تريد القول إنّ الأمر يتطلب إرادة سياسية حقيقية وإنّ القائمين على معرض الكتاب والمرصد الوطني للكتاب والناشرين فشلوا في الترويج للكتاب الجزائري داخل وخارج البلاد؟
نعم، لذلك تغيير الاتجاهات مرهون بتغيير الوجوه من جهة، وبإرادة سياسية لا تتشنّج مما هو ثقافي أو تستخدمه للأغراض السياسية المرتبطة بالوجوه الحاكمة من جهة ثانية، وهذا ما ينبغي أن نفرضه في حكوماتنا القادمة، بوضع حدّ للاستسهال والارتجال والابتذال والإهمال في مؤسساتنا الثقافية.