-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

نظامٌ عالمي بين الظل والضوء

بقلم: نبيل كحلوش
  • 84
  • 0
نظامٌ عالمي بين الظل والضوء

في المراحل التي تتشابك فيها أزمنة الماضي مع أزمنة المستقبل بشكل معقد، وتتداخل فيها نهايات مرحلة مع بدايات مرحلة أخرى، ويتمازج ضوء نهار قد ولى مع حلكة ليل قادم.. تظهر حينها أكثر الفواصل الزمنية غموضا وضبابية. وفي ذلك الغموض والضبابية تكمن كائنات أخرى خاصة بهذا العالم الوسيط بين الضوء والظل.. كائنات لا تنتمي لا إلى هذا ولا إلى ذاك بل هي أشباح تحيا من خلال هذه الفواصل الزمنية والمراحل الانتقالية ونقاط التقاطع، ومفترقات الطرق، فالفترات التي لا يحضر فيها اليقين ولا يغيب فيها الشك هي بالذات الزمن المناسب لهذه الكائنات.

يمر العالم اليوم بمرحلة من العلاقات الدولية لا تتسم باليقين ولا تستند إلى الثوابت، ولا تعترف إن كانت مجرد مرحلة انتقالية أم هي الواقع الجديد نفسه. وفي هذا الموقف الوسيط بين عالم قديم وعالم جديد تنبعث الأشباح الخاصة بهذا الزمن، وطبيعة هذه الأشباح أنها لا تنتمي إلى النظام الدولي الأحادي ولا إلى النظام الدولي التعددي، إنها كائنات تلعب على ما هو واحد ومتعدد مثل السراب.

في هذه المرحلة من تاريخ العلاقات الدولية تتصادم لغة القانون مع لغة القوة، ومعيار المصلحة مع معيار المبدأ، وتتلاشى الحدود الفاصلة بين ما هو مقبول وما هو مرفوض وما هو منطقي مع ما هو غير عقلاني، فتظهر المُسوخ على شكل فواعل سياسية حكومية أو غير حكومية، محلية أو إقليمية أو دولية، لتنشئ عالمها الخاص في وسط هذا العالم الانتقالي، فلا تستفيد من استقرار النظام الدولي على أي شكل كان -تعدديا أو أحاديا- بل تستفيد من خرابه الذي لم يصل بعد إلى نهايته ومن مرحلته التي لم تنته بعد، فمصلحتها إذن تكمن في الخراب المستمر لا الطارئ، وفي الانتقال اللانهائي لا المؤقت.

يقول أنطونيو غرامشي: “العالم القديم يموت، والعالم الجديد بطيء في الظهور، وفي هذا اللون من الضوء والظل  تظهر الوحوش”. وفعلا تشهد الساحة الدولية وحوشا مخصصة لهذه المرحلة بالذات وتتناسب مع طبيعتها، فحربُ الإبادة الإسرائيلية على غزة كشفت أن هناك من لا يريد للقضية أن تُحسم لصالح فلسطين ولا أن تتوقف الحرب أيضا، بل يريد الإبقاء على هذه الحالة من اللايقين. وأيضا مثّلت الحرب الأوكرانية بابا فُتح ولكن لم يُغلق تماما ولم يفتح تماما كذلك، بل كأنه شقٌّ يتسلل منه الضوء الذي يعِد بنظام عالمي جديد ويتمازج مع الظل الذي ينبع من ظلام المستقبل المجهول لهذه الحرب.. وفي هذا الشق تتسلل أشباح الطفيليين من تجار السلاح وشركات المرتزقة وشبكات التجنيد والاحتيال.

وفي نقاط أخرى من العالم حيث تتموقع بؤر الحروب والأزمات المفتعلة مثل السودان واليمن وليبيا، تحضر الأشباح نفسها لتستفيد من ذلك الحيز الوسيط بين الضوء والظل، فمن جهة هي لا تدفع نحو الحلول النهائية للملفات ولكنها أيضا تبادر بطريقة مخادِعة لتعرض مقترحاتها لـ”إنهاء الأزمات”.

وفي هذه المرحلة بالذات تنقلب الحقائق فيصبح الحليف في دور العدو والعدو في مظهر الصديق، وتصبح القوانين الدولية نصوصا قابلة للتأويل حسب عدد الدول، وتتحول البديهيات العقلية إلى مجرد افتراضات قابلة للجدل، فيغيب اليقين ويحضر الشك ولا يتمكن حينها الطرف العقلاني من إيجاد أي فاعل عقلاني مثله ليتَّفقا على أبسط القواعد المشتركة. هنا بالذات إذن يكمن سرُّ تلك الأشباح: (تفريق المشتركات)، أي محاربة كل الحقائق التي يمكنها جمع شمل الأطراف المختلفة حولها.

ويتجلى في الأخير التحدي الأكبر لنا ولبلادنا ولمن يشبهوننا، وهو تحدي الدفاع عن نقاطنا المشتركة وقيمنا الموحدة، فهي المنصة الأساسية لأي عمل يسعى إلى إنهاء مرحلة دولية ويبدأ مرحلة جديدة من دون أن يسقط في فخِّ المراحل الانتقالية، المؤقتة الدائمة،التي يكثر فيها أشباح العالم الوسيط بين الظل والضوء، فالحكومات والأفراد والقوى التي تعرف مشتركاتها جيدا وتستثمر في نقاط الاتفاق ستتمكن تلقائيا من إرساء سلوك منتظم يحد من الفوضى، ويعزز من ظهور واقع جديد بينها بعيدا عن الحالة الوسيطة المتبذبة بين الشك واليقين والتي تكثر فيها تلك الكائنات الطفيليّة. وفي سبيل ذلك فإن الحرب بين الوعي والتغييب وبين الحقيقة والوهم وبين البشر والشياطين وبين الظل والضوء هي التي ستحدد في أي صف سيكون النظام العالمي الجديد.

يقول أنطونيو غرامشي: “العالم القديم يموت، والعالم الجديد بطيء في الظهور، وفي هذا اللون من الضوء والظل  تظهر الوحوش”. وفعلا تشهد الساحة الدولية وحوشا مخصصة لهذه المرحلة بالذات وتتناسب مع طبيعتها، فحربُ الإبادة الإسرائيلية على غزة كشفت أن هناك من لا يريد للقضية أن تُحسم لصالح فلسطين ولا أن تتوقف الحرب أيضا، بل يريد الإبقاء على هذه الحالة من اللايقين.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!