نماذج بائسة!
هزني مؤخرا، منظر غريب واستفزازي في مطار هواري بومدين، فقد نزلنا من الطائرة، وكان من ضمن الركاب رجل وسيّدة، إمّا أنهما من رجال وسيدات الأعمال والمستثمرين، أو أنهما من السيّاح، زارا الجزائر، لاكتشافها أو لإبرام صفقة، أو على الأقل لجسّ النبض فيها!
لضيفان كان في انتظارهما امرأة محترمة “مكستمة” كانت تحمل لافتة مكتوبا عليها اسما الرجل والسيّدة.. قرأ المعنيان الورقة، فتوجّها نحوها، رحّبت بهما، ثم طلبت منهما بأدب ولباقة مرافقتها لإتمام إجراءات السفر.. بضع دقائق، توجّهت المستضيفة، إلى مكتب ما من أجل الاستفسار أو لأجل تسهيل تدابير العبور !
لكن، فجأة، الضيفان توجها وحدهما نحو الشباك، لمراقبة جوازي سفرهما، ودخول الجزائر آمنين سالمين، فصدّقوا أو لا تصدّقوا، المرأة لم تعد ولا هم يحزنون، ولم نفهم إن كانت قد تخلـّت عنهما، أم أنها “نستهما”، أم أنها تماطلت وتقاعست وتعطلت، إلى أن سئم الرجل والمرأة الانتظار ففضلا التصرّف تلقائيا وإنهاء الإجراءات من دون مساعدة “الهاربة”!
هل بهذه الطريقة البلهاء، يُمكن للمستثمرين والسيّاح الأجانب، أن يعودوا؟ هل المصلحة والبرغماتية تقتضي تصرفات حمقاء كهذه، لا يُمكنها في أحسن الأحوال إلاّ أن تحرّض المتعاملين والشركاء والمكتشفين على الفرار، والأخطر من الفرار، هو نقل الواقعة إلى الآخرين، وبالتالي تأليبهم على عدم المغامرة والتفكير في زيارة الجزائر!
روى لي مسؤول صغير في وقت سابق، وكان في ما يبدو شاهدا على الحكاية، أن “حتـّة” عون في شباك “الجوية الجزائرية” بأحد البلدان الأوروبية، خلال نهاية التسعينات، كان سببا مباشرا في تراجع وفد سياحي أجنبي عن زيارة الجزائر، والسبب أن صاحبنا “الجزائري” نصح ممثل الوفد بعدم المغامرة بسبب الإرهاب، فصدقوا أو لا تصدّقوا، والعهدة على الراوي!
زرت قبل سنوات قليلة، بلدا في قارة آسيا، وانعقد هناك معرض دولي، افتتحه آنذاك رئيس تلك الدولة، وحضره مستثمرون ورجال أعمال ومتعاملون اقتصاديون وتجار كبار ومستوردون من مختلف بقاع العالم، إلى جانب سفراء وقناصلة، ومن باب الفضول سألت عن سفيرنا هناك، فتفاجأت أنه لم يحضر وأوفد ممثلا “صغيرا” عنه، وعندما سألت عن السبب، علمت أن الزحمة منعته من الحضور!
ليس بهذه النماذج البائسة، يُمكننا أن نقنع هؤلاء وأولئك، وليس بهذا الكاريكاتور والإهمال واللامبالاة ينجح الإغراء والاستدراج اللذان رفعا أسهم الكثير من البلدان في مجال التنمية والاستثمار والنموّ!