نموذج النمو.. الثّقة قبل التنمية!
النمو لا يمكن أن يتحقق نتيجة توفير جملة من العوامل الاقتصادية أو اعتماد خيارات تقنية لها علاقة بالميزانية أو نسبة الدخل أو الجباية أو غيرها من المؤشرات المالية أو التجارية، إنما تحكُمه بالدرجة الأولى عوامل اجتماعية ـ ثقافية وسياسية تطرح باستمرار السؤال الرئيس التالي: من يقوم بالتنمية ومن يستفيد منها؟
لا شك أن كل المواطنين يهمهم أن ترتفع نسبة النمو أو يزداد الناتج الوطني الخام أو تتعدد المشاريع الاقتصادية في البلاد، ولكن السؤال الذي يطرحونه باستمرار هو: هل سيحدث هذا لخدمة الشرائح الواسعة منهم وخاصة الفقيرة منها؟ أم سيُعيد إنتاج طبقة جديدة مهيمنة تواصل ما قامت بها سابقتها من استغلال ونهب بطرق أخرى؟ أي هل سيُجسَّد مشروع النمو الجديد ضمن رؤية شاملة تأخذ بعين الاعتبار الاختلالات الواقعة اليوم، خاصة في الجانبين الاجتماعي والثقافي، أم سيُكرِّس هذه الاختلالات لصالح منظور “مادي” صرف للاقتصاد تمكنت من خلاله طبقة معينة من الهيمنة على معظم ثروات البلاد خلال فترة وجيزة وهي الآن تريد تكريس هذه الهيمنة بطرق أخرى؟
تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن تُطرح اليوم، والحديث جارٍ عن وجود نموذج جديد للنمو؟ أي أسئلة لها علاقة بالإطار الاجتماعي والسياسي الذي ينبغي أن يتحرك ضمنه هذا النموذج؟ ناهيك عن الحديث عن الإطار الثقافي المتعلق بمدى أخذ بُعدَ إعادة الاعتبار للإنسان ضمنه؟ هل سنعتمد نظرة اقتصادية للنمو تُخفي بطريقة أو بأخرى غاياتها السياسية والثقافية؟ أم سنقوم بإعادة بناء اقتصادنا ضمن رؤية متكاملة تأخذ بعين الاعتبار جميع الأبعاد وتسعى لتصحيح الاختلالات التي كرَّستها سنوات من الظلم الاجتماعي ونهب للثروات على أيدي مجموعات بَدَت اليوم تتشكل في نوع من “الأولغارشية”لا يهمها إلا تحقيق مصالحها؟
إن النظرة الموضوعية لِما يُطرح اليوم من حلول على صعيد النمو تُبيِّن أن هناك تجاهلا متعمدا لتلك الأبعاد الاجتماعية ـ الثقافية والسياسية التي تجعله ذا معنى وتعطيه الإطار الملائم الذي يتحرك ضمنه. فمسألة من يقود هذا النمو غير مطروحة تماما، كما أن مسألة هل يثق الناس فيمَن سيقود هذا النمو هي الأخرى غير مطروحة تماما، وكأن الأمر مفصول فيه، والفئة أو الطبقة المهيمنة حاليا هي التي من صلاحياتها القيام بذلك، وهي الأعلم بما ينبغي أن نقوم به مقارنة مع بقية أفراد المجتمع الذين سيتحملون عبء هذا التغيير أو سيُطلب منهم القيام به أو يفرض عليهم ذلك، بما يعني أن هناك تجاهلا تاما للغاية منه ولِمَن سيتحمل نتائجه إن كانت سلبية، أومَن سيستفيد منه إن كانت إيجابية. وهذا يدل على وجود خلل في “رؤية” الحل إذا لم يكن ذلك متعمَّدًا، وعلينا أن نسعى لتصحيحه.
لقد بيّنت التجارب التنموية الحديثة أننا لا يمكن أن نبني اقتصادا قويا في ظل وجود مجتمع غير متماسك أو نظام سياسي غير قائم على حد أدنى من الشرعية والثقة. في الديمقراطيات الغربية هناك نوع من الاقتناع أن الخيارات الرأسمالية المعتمَدة إنما هي محاطة بسياج من القوانين والإجراءات التنظيمية التي تُبقي على حقوق المواطن قائمة، ومع ذلك فإن منظري الرأسمالية المعاصرين أو ما يُعرف بالكينزيين الجدد طوروا أفكار معلمهم الأول “كينز” إلى ما يُعرف بالعوامل غير الاقتصادية ذات الأثر في التنمية، ومن بينها الثقافية والسياسية والنفسية. ولعل هذا ما ينبغي التنبيه له اليوم، إذ لا يمكننا أن نفصل سعينا لتصحيح الاختلالات الاقتصادية القائمة في ظل التقشف أو دونه، إذا لم يكن ذلك ضمن نظرة متكاملة لتصحيح مختلف الاختلالات.
ومن بين هذه الاختلالات تلك المتعلقة بالإجابة عن السؤال المركزي في هذا الجانب: من يقوم بتجسيد نموذج النمو على أرض الواقع؟ هل يصح أن يقوم بذلك من أفسد هذا النمو طيلة عقود كاملة؟ هل الطبقة المستفيدة من مراحل الفساد السابقة هي التي ستقوم بذلك؟ وهل يصح ذلك؟ أم أنه علينا القيام بتجديدٍ كلِّي على أكثر من صعيد؟
يبدو لي أن المسألة لا تحتاج إلى كثير من النقاش عندما نقول أننا لا نستطيع، ولا يحق لنا، أن نُمكِّن مَن تَسبَّب في تدهور الحالة الاقتصادية في البلاد، ومَن اكتسب “عادة” الاستفادة من ثرواتها، من غير جهد أو قيمة مضافة، أن يقوم بتصحيح ذلك نتيجة صحوة ضمير أو عودة إلى جادة الصواب… بل العكس هو الصحيح عندما نقول بأنه علينا القيام بالتغيير بمَن لديه حدا أدنى مِن المصداقية والثقة لدى الناس، بأنه يستطيع ذلك ولن يساهم في تكريس المناخ العام الذي ولَّد الفساد ومنع الاقلاع الاقتصادي المنشود.
وهنا تبرز على مستوى هذه المعادلة أهمية الكشف عن المجاهيل التي تُمكننا من حلها، والأمر هنا لا يزيد على أن يكون إعادة اعتبار لمتغير الثقة على كافة المستويات، وهو وحده الذي سيُمكِّن من إقناع الناس بأن النمو الجديد سيكون بحق جديدا، ولن يُكرِّس القديم كما كان يحدث من قبل، وأن أي نسبة منه تتحقق، مهما كانت ضئيلة، سيستفيد منها الجميع، ولن تكون النسب الأعلى هي بالضرورة الأفضل إذا لم تكن مواكَبَة بثقة في توزيع نتائجها على الجميع…
وانطلاقا من هذا لا يمكننا الفصل اليوم بين ما يجري من انتخابات لها علاقة بالبرلمان المقبل، وما طُرح من بديل لنموذج النمو الجديد، فإذا كانت هذه الانتخابات ستُكرِّس الأمر الواقع السابق، وهو الأكثر احتمالا، لن ينفع نموذج، أي نموذج للنمو جديد، ولن تنفع الوعود بالوصول إلى نسب أعلى في مستوى النمو، ولا غيرها من التوقعات ولو كان ذلك في حدود سنة 2030.
عكس ذلك فإن شعور الناس بأن الأمر لن يتغير من هنا إلى سنة 2030، وأن نفس الطبقة ستُجدِّد نفسها على الصعيدين الاقتصادي والسياسي سيزيدهم إحباطا، بالنظر إلى التجارب السابقة، ولن يدخلنا في ديناميكية جديدة للإصلاح والتقدم.
ولعل هذا هو ما ينبغي أن نتفاداه.
إن بلادنا ليست في حاجة إلى هدر مزيد من الوقت، وأن مشاريع الحلول المتوفرة والقادرة على الانتقال بها إلى مرحلة جديدة ينبغي أن تقوم بها عناصر جديدة تحظى بمصداقية لدى عامة الناس وتُمكِّنهم من استعادة الأمل المفقود. أما الإصرار على الاستمرار في محاولة التصحيح بالقديم، فلن يزيد الأوضاع إلا احتقانا ولن يؤدي إلا إلى مزيد من التوسِعَة للشرخ القائم بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وبخاصة بين تلك الأقلية النافذة ذات الموارد المالية الهائلة والأغلبية التي تفتقد لأدنى متطلبات الحياة كالشغل أو السكن أو الصحة أو التعليم الجيد.
إن بلادنا اليوم على مقربة من نقطة انعطاف كبرى في تاريخها، وعليها أن تُدرك أهميتها في تاريخنا المعاصر، وبدل أن نُصِر على رفض التغيير القادم، علينا التكيف معه، وذلك لن يكون إلا من خلال الشروع في تجديد كلي على كافة المستويات بدءا بالسياسة ووصولا إلى الاقتصاد. وبدون شك لن يتم هذا التجديد بين عشية وضحاها، ولكن ينبغي أن يتم، إذا أردنا حقا أن نستفيد من أخطاء السنوات السابقة وألا نُكرَّس الرداءة التي تميزت بها.
لدى بلادنا قدرات اقتصادية هائلة، والأهم من ذلك لديها موارد بشرية قادرة على تحويل هذه القدرات إلى ثروة ونمو وتقدم وثقافة وحضارة، فقط نحن في حاجة إلى أن نُمكَّنها من زمام المبادرة، بعيدا عن كل نظرة ميكانيكية للاقتصاد والتنمية، وبعيدا عن كل فصل لهذين العنصرين عن بقية العناصر الاخرى السياسية والسوسيو ـ ثقافية، باعتبارها هي المحدِّدة في آخر المطاف، وهي القادرة على أن تجعلنا ننهزم أو ننتصر في معاركنا المقبلة…