نوائب ودعاة إلى النار
مرّة أخرى، يعود النظامُ الانقلابي في مصر إلى كيل الاتهامات الخطيرة لحماس دون أن يقدّم دليلاً دامغاً واحداً على صحّتها، وتنطلق بعدها حملة إعلامية حاقدة تُمعن في تشويه الحركة وشيْطَنتها وتوجيه أقذع ألفاظ السِّباب والشتم إليها…
بالأمس اتُّهمت حماس بالضلوع في اقتحام سجن النطرون وتهريب المسجونين، ثم بالتورّط في عملياتٍ إرهابية وقعت في سيناء ومدن مصرية عديدة، واليوم تُتهم بتدريب العناصر الإخوانية التي اغتالت النائب العام هشام بركات في جوان 2015… لكن اللافت أن مصر لم تقدّم أي دليل دامغ على أيِّ اتهام، ما يعني أن هدفها ينحصر في تبرير جريمة تشديد الحصار على غزة، عبر الإغلاق النهائي لمعبر رفح وإغراق كل الأنفاق بمياه البحر، ونسف كل جهود حماس للمصالحة معها، وربّما التمهيد لاحقا لتصنيفها منظمة إرهابية، لتبرير غزو القطاع أو توجيه ضربات عسكرية محدودة إلى معسكرات المقاومة.
لقد سمعنا أبواقاً انقلابية كثيرة تصعّد ضد حماس، وتنفث سمومها ضد غزة، وتحرّض الجيشَ المصري على غزوها واحتلالها؛ فقد اعتبرت لميس جابر، وهي “نائبة” بمجلس الشعب، حماسَ “منظمة إرهابية صهيونية مارقة أنشِئتْ للقضاء على فتح والقضية الفلسطينية ويجب القضاءُ عليها؟!” وكأن “فتح” هي التي تقاوم الاحتلالَ في غزة، وتقدّم مئات الشهداء في كل حرب، وحماس تتآمر عليها وتتعاون مع الصهاينة أمنيا ضدها!
كما سمعنا “داعية” يُسمى مظهر شاهين، وهو من طينة “فقهاء البلاط”، يدعو الجيشَ المصري بكل صلف وتبجّح، ودون أيّ خوف من الله، إلى “مهاجمة معسكرات حماس في غزة ودكّها بالصواريخ والطائرات!” ولا ندري لماذا لا يدعو هذا الداعية إلى النار، إلى استعمال هذه “الطائرات والصواريخ” المصرية، وكذا العربية والإسلامية جميعاً، إلى “دكّ” مواقع العدوّ الصهيوني الذي يحتلّ فلسطين، ويدنّس قبلة المسلمين الأولى ويقوّض أساساتِها، ويهوّد المقدّسات، ويصادر الأراضي، وينكّل بالفلسطينيين كل يوم؟ لماذا لا يدعو إلى استعمال هذه الترسانة الهائلة من الأسلحة المكدّسة في المخازن لينخرها الصدأ، وتحريك هذه الجيوش الجرّارة النائمة من المحيط إلى المحيط، لتحرير فلسطين وإنهاء الاحتلال؟ أم إن الاحتلالَ أصبح حليفاً ووليّا يُلقَى إليه بالمودّة في نظر الدعاة إلى النار أيضاً، وليس في نظر أنظمة الانبطاح والهرولة فقط؟
مشكلة سكان غزة الجريحة أنها تُجاور بلدا ابتلي منذ عام 1979 إلى الآن بحكامٍ أخرجوه من خندق الأمة ووضعوه في خدمة الاحتلال الصهيوني، وحوّلوه إلى شوكةٍ في حلق المقاومة ومتآمرٍ عليها مع الاحتلال، وعوض أن يجد هؤلاء الحكام من يتصدى لهم، ويرفض مشاركتهم في جريمة حصار غزة وتجويع مليونيْ فلسطيني، وشَيْطنة المقاومة باتهاماتٍ خطيرةٍ واهية، وإدارة الظهر للأقصى والمقدّسات… وجدوا إعلاميين حاقدين ومثقفين مأجورين ونواباً و”نوائب” موتورين و”دعاة” بلاطٍ باعوا آخرتهم بدنياهم… يؤيّدونهم ويزيّنون لهم سوء أفعالهم وأقوالهم، ويحرّضونهم على قهر أشقّائهم المستضعَفين، ويطالبونهم باحتلال غزة وإنهاء المقاومة فيها، أي تحقيق ما عجز عنه العدوّ نفسه في كل حروبه. ألا يخجل هؤلاء من الاصطفاف مع بني صهيون؟