نيران صديقة في معركة توحيد رأس السلطة
في أي بلد ديموقراطي، فيه نخبة تؤمن بالدولة المدنية، كان المجتمع السياسي والإعلامي سيرحب بالهجوم الذي شنّه سعداني على الفريق توفيق، يرحب به كطفرة نوعية في اتجاه نزع القداسة عن مؤسسة، هي مجرد مديرية ضمن مديريات المؤسسة العسكرية، وضابط سام لا يفترض أن يكون فوق المساءلة.
في أي بلد عادي، محكوم نظريا بالدستور والقانون، كان يفترض أن تتولى المؤسسة العسكرية، وحدها مسؤولية الدفاع عن سمعتها وسمعة أحد ضباطها، أو يتولى الرئيس، حامي مؤسسات الدولة، الدفاع عن مؤسساتها حين تتعرض لهجوم مثل الذي صدر عن السيد سعداني، وليس هذا اللفيف المفروق من شخصيات سياسية وإعلامية، وكم من المتقاعدين من رجالات الدولة، من المدنيين والعسكريين، ورؤساء أحزاب كانوا إلى وقت قريب يتشدقون بمفردات الدولة المدنية، وواجب تحرير الحياة السياسية من قبضة العسكريين.
واقع الحال أننا لسنا في بلد ديموقراطي، ونفتقر بالضرورة لنخبة من الساسة تؤمن بالديموقراطية، وبالاحتكام للقانون فيما ينزع بين مكوناتها من خلافات أو صراعات. فليس السيد سعداني من أحباب الدولة المدنية حتى نصدّق أن استهدافه للفريق توفيق، يندرج ضمن الدفاع عن الدولة المدنية ودولة القانون، وليس الذين انبروا للدفاع عن الفريق توفيق، هم من خيرة المدافعين عن المؤسسة العسكرية، أو أكثر الناس غيرة على أمن واستقرار البلد.
ما نعلمه يقينا حتى الآن، أن المؤسستين المعنيتين بالدفاع عن سمعة الفريق توفيق، هما مؤسسة الجيش ومؤسسة الرئاسة، لم يحركا ساكنا دفاعا عنه، وأن المعني نفسه قد لزم الصمت، ربما لأنه لم يعد في وضع يسمح له بطلب دعم المؤسستين، ولا يرغب في إحالة القضية على العدالة لأسباب شخصية، لكنه لم يمنع “الأحباب” من خوض المعركة بالوكالة، وهم كما رأينا كثر: طيف واسع من الصحف والمواقع الإلكترونية، وضباط متقاعدين، تحرك جميعهم تحت يافطة الدفاع عن المؤسسة الأمنية، والمؤسسة العسكرية، وعن الأمن القومي، وكأن الفريق توفيق هو ذاته مديرية الاستعلامات والأمن، وأن المديرية هي المؤسسة العسكرية، حتى إذا تطاول أحدهم على ضابط فيها، يكون قد تطاول على الدولة برمّتها، ووضع البلد تحت تهديد التدخل الأجنبي كما زعم بعضهم.
اللعبة برمّتها لعبة قذرة بدائية لا ابتكار فيها، أطلق فيها الطرفان المتصارعان ضبابا كثيفا للتستر على صراع سلطوي مزمن، يتجاوز حدود رهانات الرئاسيات القادمة، له صلة حميمية باستكمال إجراءات إعادة هيكلة مديرية الاستعلامات والأمن، التي أنهت الازدواجية على رأس السلطة، وداخل مؤسسة الجيش، وسوف تنتهي إما بالاستقالة الطوعية للفريق توفيق، أو بالإقالة كما حصل مع رئيس أركان الجيش سنة 2004، وأنه كان يحسن بالبلد أن يعالج هذا الصراع بعيدا عن مسار نشر الغسيل الوسخ، لأن استمرار هذا الانفلات والسيلان الإعلامي من أطراف تحرك مثل عرائس الغرغوز، من هذا الطرف أو ذاك، هو الذي يهدد استقرار وأمن البلد، وليس فقط مديرية الاستعلامات والأمن، أو المؤسسة العسكرية أو حتى مؤسسة الرئاسة.