-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هذا العقاب جرّبته فرنسا قبلكم

حسين لقرع
  • 146
  • 0
هذا العقاب جرّبته فرنسا قبلكم

إثر كلّ عملية فدائية كان يقوم بها الفلسطينيون في الضفة الغربية المحتلّة في السنوات الماضية، كان الاحتلال يردّ بهدم بيوت المقاومين وتشريد عائلاتهم عقابا لها على عمليات أبنائها.. أمّا اليوم، فقد ازداد تعسّفا وتغوّلا وقرّر تجاوز هذا النمط التقليدي من العقاب غير العادل وتوسيعه ليشمل المدن التي ينتمي إليها المقاومون، ليعيث فيها فسادا وتخريبا وهدما للبيوت والمنشآت وتشريدا للسكان.

هذا ما يحدث في العديد من أحياء مدينة الخليل بالضفة الغربية المحتلة منذ الجمعة الماضية، إذ ردّ الاحتلال على عملية بطولية قام بها مقاومان فلسطينيان قتلا فيها جنديين صهيونيين وجرحا ثلاثة، بمداهمة 40 حيّا سكنيا في المدينة، وتدمير الكثير من بيوت الفلسطينيين وتشريد نحو 3200 منهم في ظرف 5 أيام فقط، والعملية لا تزال متواصلة…

في القانون الدولي، الجريمة واضحة ويسمّيها “العقاب الجماعي” ويصنّفها “جريمة حرب” ويحظرها كليا، والعالم كلّه يعرف ذلك، لكن الملاحظ أنّه يتابع ما يحصل في الخليل منذ الجمعة بلا مبالاة كبيرة؛ فباستثناء تحرّك 60 نائبا في البرلمان الأوروبي ودعوتهم وزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي إلى عقد اجتماع عاجل وفرض عقوبات على الكيان الصهيوني، لم نر تحركات كافية، لا من الأمم المتحدة وهيئاتها المختلفة، ولا من دول الغرب التي طالما صدّعت رؤوسنا بالحديث عن “حقوق الإنسان” والقانون الدولي، ولا حتى من الدول العربية والإسلامية التي يبدو أنّها قد تعوّدت على جرائم التدمير والتشريد والتهجير، كما تعوّدت من قبل على المجازر اليومية المرتكبة في غزة، فقلّ اهتمامها بها واستهجانها بمرور الأيام!

ما يرتكبه الاحتلال في الخليل منذ الجمعة الماضية، هو تصعيد خطير في أساليب مواجهة المقاومة بالضفة الغربية، فقد تبيّن له أنّ هدم بيوت عائلات المقاومين طيلة عقود لم يؤدّ إلى ردع الفلسطينيين ومنعهم من القيام بعمليات فدائية جديدة ضدّه، فقرّر توسيع دائرة العقوبة بالانتقال إلى العقاب الجماعي لأحياء وقرى ومدن بأكملها لعلّ ذلك يردع أبناءها ويبعث الوهن واليأس في أنفسهم فيكفّوا عن مقاومة الاحتلال.. ولكنّ هل نجح من قبل مثل هذا الأسلوب الهمجي في مناطق محتلة أخرى في العالم، حتى ينجح في فلسطين المحتلة؟

في الجزائر، أطلق الاستعمار الفرنسي العنان لنفسه في تطبيق سياسة العقاب الجماعي للجزائريين وحرق بيوتهم وقراهم وتشريدهم، ردّا على العمليات النوعية والمتوالية التي كان يقوم بها المجاهدون الجزائريون ضدّ جنوده، فأحرق 8 آلاف قرية عن بكرة أبيها، وشرّد أهلها عقابا لهم على احتضان الثورة، ومحاولة دفعهم إلى التخلّي عنها، لكنّه جنى نتيجة عكسية تماما؛ إذ التحق بها الكثير من المواطنين الذين كانوا متردّدين من قبل، فاتّسعت دائرتها واشتدّ لهيبها وعجز الاستعمار عن إخمادها فرحل غير مأسوف عليه في 5 جويلية 1962.

الأمر ذاته سيتكرّر في الضفة الغربية وغزة وفلسطين كلّها مهما طال الزمن وازداد حجم التضحيات؛ فكلّما أمعن الاحتلال في فاشيته وقمعه ودمّر بيوت الفلسطينيين وشرّدهم عقابا لهم على العمليات البطولية لبعض أبنائهم، اتّسعت دائرة الغضب لديهم والتحق المزيد من المتردّدين منهم بصفوف المقاومة، وفي الضفة يكثر -للأسف- المتردّدون والمؤمنون بالحل “السلمي” مع الاحتلال والمتعاطفون مع “فتح” أكثر من المتعاطفين مع “حماس” وباقي فصائل المقاومة، وآن الوقت ليتغيّر الوضع ويعود الجميع إلى أحضان المقاومة، فأيّ حياة هذه في الضفة الغربية وقطعان المستوطنين يقومون كلّ يوم بغزو قراها والاعتداء على سكانها وجرف مزارعهم وحرق أشجار زيتونهم وبيوتهم ومساجدهم وأملاكهم بهدف تهجيرهم إلى الخارج؟ وأيّ حياة هذه في كنف احتلال نازي مجرم لا يتورّع عن قمعهم يوميّا وقتل أبنائهم وهدم بيوتهم وتشريدهم واعتقالهم والزجّ بهم في سجونه…؟

اليوم، انتهت الأوهام، لم يعد هناك أفق “سلام” ولا إمكانية لإقامة دولة فلسطينية تعيش جنبا إلى جنب مع الاحتلال، فهو يرفض ذلك قطعا ويمعن في التنكيل بالفلسطينيين وإذلالهم وحملهم على الاختيار بين عيش العبودية على أرضهم بلا أدنى حقوق سياسية أو التهجير إلى الأردن.. لذلك تبقى المقاومة أفضل خيار؛ فإمّا العيش بكرامة في بلد محرّر من النهر إلى البحر، أو الشهادة في عزّ وشرف.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!