هذا هو الجزائري
عصبي، نزق، متوتر على الدوام، غضوب، صعب الرجوع إلى الحق، كثير اللجاجة، ملحاح، طماع، كثير الحيلة، شديد الاندفاع، شديد التهور، دائم النرفزة، شديد الحساسية، لا يتقبل النقد، واضح التعصب عموما والتعصب للرأي خصوصا، الطموح غير المشروع… إلى آخره من “السمات” التي تكاد تطبع الجزائري بطابع خاص واستثنائي فتجعله بشرا “خاصا” لا صلة له بباقي البشر، أو على الأقل يبدو كما لو كان نسيجا متفردا بين أقرانه وأبناء جنسه من البشر.
نعم… إنها السمات السابقة ـ وغيرها ـ صفات الجزائري والجزائرية أيضا التي يكاد يُجمع عليها الكثيرون من الجزائريين والجزائريات أنفسهم، فضلا عن أشقاء وأصدقاء ممن قاربوا هذا “المخلوق” وعاشروه وعاشوا وتعايشوا معه.
وإذا كان البعض قد ذهبَ مذهَب التعامل التفاخري مع تلك الصفات وصرَفَها إلى الجانب الإيجابي في معظمها، وحاول تخريجها تخريجا يجعلُها في صالح المخلوق الجزائري، مثل ما صنَعه الدكتور
أحمد بن نعمان في كتابه المعروف “نفسية الشعب الجزائري” الصادر عن دار الأمة قبل مدة غير قصيرة، وقد أسرف الكاتب في تصريف الأمور بأسلوب إيجابي حتى أوجد للجزائري نحوا من خمسين خصلة تميزه عن غيره ومنها: الصراحة، حب الوضوح، الصدق، التمسك بالأصول، الواقعية، مقت الإدعاء والتظاهر، سرعة التكيف مع الأحوال المستجدة، نشدان الكمال، الحلول الجذرية (أي لا يعرف الوسطية)، الجد، التحدي، القناعة، المعاملة بالمثل، الجد والجدية، التكتم والعمل في صمت، الانطواء على الذات، الصبر، عزة النفس، بعض التطفل ومقت الفضول، التدين، حب العدل والمساواة، الاعتقاد في الحظ، الوفاء والاعتراف بالجميل… وما إليها من الصفات التي قاربت كما قلت الخمسين صفة، تصب معظمها في الجانب الإيجابي وتزيد من اعتبارية وقوة الشخصية الجزائرية. والحق أن ذلك كان حقيقيا إلى وقت متأخر أي السبعينيات؛ حيث كان الجزائري مضرب المثَل في عدد من السمات والصفات الجميلة والقيم المتينة، لكن ما لا ينبغي أن يَخفى على الجميع أن تطور الزمن وحركيتَه والارتجال في السياسة والاقتصاد والتخطيط الفوضوي مما هو معروف لدى الجميع… جعل الكثير من تلك السمات تختفي وتزول، أو قل تتحول إلى صفات نقيضة.
ومصداق ذلك ما ذهبت إليه الحكومات المتعاقبة في بلادنا، والتي اجتهدت في “ترويض” هذا الكائن المسمى “جزائري” بأشكال وألوان مختلفة من الوعود البراقة الكاذبة، وأشكال متنوعة من العطاء وصيغ التمويل والعون والدعم والمساعدة؛ حتى كادت الدولة كلها أن تصبح جمعية خيرية ضخمة كبرى، لا عمل لها إلا المساعدة، من خلال توزيع الريوع توزيعا فيه إسراف وتبذير وقلة تخطيط، مع خلو من العدل والإنصاف. وبالمناسبة هذا المسلك غير الحكيم في التدبير والتسيير من قبل السلطة يجد استنكارا واسعا من كثير من المتابعين والخبراء النابهين؛ حيث ينظرون إلى ذلك السرف المبتذل على أنه نوع من الهروب إلى الأمام، وهدر غير لائق لإمكانات وموارد ومقدرات البلاد، فيما يراه السياسيون ومن يعينهم من بعيد أومن قريب شأن الوطن على أنه شراء للسلم والسلام، في مقابل الحفاظ على المصالح والمنافع الكثيرة لعُصب الحكم وطوائفه المتداخلة.. وليست الدولة بذلك أبدا وما ينبغي لها أن تكون.
يُضاف إلى هذا تعاور الزمن وتقلب الأحوال والدنيا كما يقولون “دوارة ترفع الوضيع وتخفض العالي“، وقد كان لسننها وقوانينها ما جعل الكثير من الأمور الجميلة في الجزائري تختفي أو تنحسر وتتراجع: كـ“النيف” و“الحُرمة” و“الاعتراف بالجميل لأهل الفضل“، “المحافظة على السُمعة“،“الدفاع عن الشرف“،“حب العلم والعلماء” …فصار الجزائري كغيره من إخوانه وجيرانه يقبل الضيم، ويطأطئ الرأس، وتعلم التزلف و“ضرب الشيتة“، وتعلم الحرصَ والطَمعَ .. إلى آخر ما يمكن تصوره من القبول بما لم يكن يقبلهُ من قبل، بما في ذلك بعض الأمور التي كان يُزعم أن الجزائري لا ولن يفعلها أبدا وهو الديوثة أكرمكم الله.
إذن الجزائري كان كائنا متميزا معروفا بشهامته ونخوته.. وكان صاحب تميز في سلوكه وتعامله، حتى مع خشونته وحدّته.
الجزائري ـ عندما كان جزائريا حقيقيا ـ كان إنسانا رائعا، مثله مثل الجزائر الوطن.. لقد كان الوطن قبلة للثوار والمصلحين والمتطلعين إلى آفاق التحرر والانعتاق..
..ولكن اليوم كيف حال الجزائري (والجزائرية)؟ كيف يبدو؟ ولمَ يصلح؟…
العمال نستوردهم من الصين وتركيا واسبانيا، والمسيرون نستوردهم من فرنسا وبلدان أخرى (المياه على سبيل المثال)؛ وأكثر ما نأكل ونلبس، وما نركب، وما به نعيش يأتينا من غير أرضنا ومن غير بيئتنا.لم َ يا تُرى؟
لأن الجزائري صار مثالا للكسل والنوم والحيلة والخداع والغش والهف.. لأن الجزائري صار مخلوقا هلاميا لا يصلح إلا للاستهلاك، والأخذ.. صار صاحب مطالب لا تنتهي وحقوق لا تنقضي.. لا يعرف شيئا غير “هات“.. أتحدث هنا بصفة العموم، ولكل قاعدة استثناء..
إذن ـ مرة أخرى ـ هذا هو الجزائري.. ولكن تلك هي المشكلة ،تلك هي المعضلة. ماذا نصنع مع هذا الإنسان الجزائري المتحول، الرخو، الضائع، الطماع، المستكين، المنتظر، الكسول… مع احتفاظه بصفات سابقة سيئة: الحدة، العنف، الخشونة، رد الفعل، العصبية، النرفزة، سوء الظن، التحايل على القانون، النفور من العمل اليدوي..
تلك هي المعضلة، وما من نهوض لهذا الوطن دون تدبر هذا الأمر ومعرفة ما ينبغي وما يجب وما يحسُن في إعادة صياغة الإنسان الجزائري على نحو أكثر نزاهة وتنوّرا ورشدا وتدينا.