-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
هبات في صورة محطات لتوليد الكهرباء في الجوار الإفريقي:

هذه خلفيات المساعدات الجزائريّة لدول الساحل

محمد مسلم
  • 3041
  • 0
هذه خلفيات المساعدات الجزائريّة لدول الساحل
ح.م

تتواصل المشاريع التنموية والاجتماعية التي تمولها الجزائر في دول منطقة الساحل الفقيرة، فبعد النيجر وبوركينا فاسو، جاء الدور هذه المرة على جارة أخرى قريبة من الحدود الجنوبية للجزائر، وهي جمهورية تشاد، التي زار رئيسها محمد إدريس ديبي إتنو، الجزائر في 21 أفريل المنصرم.
وخلال الزيارة التي قادت رئيس الوزراء سيفي غريب إلى تشاد، أشرف رفقة نظيره التشادي، اللاماي هالينا، على وضع حجر الأساس لمشروع محطة توليد الكهرباء تبرعت بها الجزائر، وهذه هي ثاني محطة توليد كهرباء تبنيها الجزائر في منطقة الساحل، بعد تلك التي افتتحها المسؤول ذاته في دولة النيجر قبل أقل من أسبوع، والتي أنجزتها كما هو معلوم، شركة سونلغاز الدولية.

خوجة: الهبات ضرورة جيوسياسية لرفع قدرات القوة الناعمة للجزائر

وتُعد محطة توليد الطاقة الكهربائية، التي تبلغ طاقتها 40 ميغاواط والتي سيتم تشييدها في تشاد من قبل شركة سونلغاز، هدية من الدولة الجزائرية للشعب التشادي، وهي الخطوة التي جاءت طبقا لتوجيهات الرئيس عبد المجيد تبون، والتي تجسد “الإرادة السياسية الراسخة” لقادة البلدين، والهادفة إلى الارتقاء بالعلاقات الجزائرية التشادية إلى مستوى “شراكة استراتيجية متينة، تقوم على التضامن الفعال والتنمية المشتركة والمصالح المتبادلة”، كما جاء على لسان الوزير الأول، سيفي غريب.
وينتظر أن يتوسع نشاط شركة سونلغاز الدولية في القارة السمراء، بإنشاء محطات توليد الطاقة الكهربائية في عدد من الدول الإفريقية الأخرى التي تربطها علاقات وطيدة مع الجزائر، على غرار كل من دولة ساحل العاج، والموزمبيق، كما جاء على لسان وزير الطاقة والطاقات المتجددة، مراد عجال، خلال تدشينه محطة أخرى بالعاصمة النيجرية نيامي، الأربعاء المنصرم.
وقبل ذلك، كانت الجزائر قد أنجزت مشاريع أخرى ذات صلة في دولة النيجر، مثل تطوير حقل “كفرا” النفطي شمال النيجر، بالقرب من الحدود الجنوبية للبلاد، بالإضافة طبعا إلى أكبر المشاريع البينية في إفريقيا، مشروع أنبوب الغاز الجزائري النيجيري، الذي انطلقت به الأشغال رسميا في الرابع من الشهر الجاري، والذي يربط الجزائر بنيجيريا مرورا بدولة النيجر، قبل أن يصل إلى البر الأوروبي (إيطاليا أو إسبانيا أو الاثنين معا)، بما يوفره من فرص تنموية في منطقة الساحل خاصة.
فكيف يمكن قراءة هذه المبادرات؟ وهل تتوقف أبعادها عند الجانب الاجتماعي والتضامني، ام أنها تتعدى ذلك إلى الاعتبارات المتعلقة بالأبعاد والحسابات الجيوسياسية في منطقة غير مستقرة، تبدو نظريا فقيرة، ولكنها في واقع الأمر غنية بالموارد الكامنة ما جعلها محطا لأطماع القوى العالمية؟
وإجابة على هذه التساؤلات، يرى مدير معهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة الجزائر 3 سابقا، محمد خوجة، في تواصل مع “الشروق”، أن ما تقوم به الجزائر تجاه دول جوارها الجنوبي يندرج ضمن المقتضيات الجيوسياسية التي تفرضها الضرورات السياسية والأمنية المعاصرة.
وقال خوجة إن “المساعدات الجزائرية لدول الجوار والساحل الإفريقي (مثل النيجر ومالي وتشاد) أداة استراتيجية، تجمع بين الإرث التاريخي والضرورات السياسية التي تفرضها الأمنية المعاصرة”، وهي جزء من “عقيدة التضامن الإفريقي التي برزت مع بوادر تشكل الدبلوماسية الجزائرية في مخاض كفاحها التحرري؛ حيث كان دعم الشعوب الإفريقية للثورة الجزائرية (1954- 1962) حجر الأساس لبناء علاقات متينة غداة الاستقلال”.
وعلى هذا الأساس، يضيف المتحدث، “تبنت الجزائر منذ منتصف الخمسينات والستينات، مفهوم التعاون جنوب – جنوب، كآلية اقتصادية وسياسية، لكسر التبعية للقوى الاستعمارية السابقة وتحقيق الاستقلال الفعلي للدول لاسيما في المجال الاقتصادي والتنموي”، لاسيما وان الجزائر “تنظر إلى دول الساحل وجوارها الإقليمي على أنه عمق استراتيجي مؤثر على أمنها القومي بكل أبعاده”.
وعلى عكس فرنسا والاتحاد الأوروبي، ترافع الجزائر، حسب محمد خوجة، من أجل مقاربة التنمية بديلًا عن التدخل العسكري، كما تؤمن الجزائر بأن المقاربة الأمنية الصرفة لا تكفي للقضاء على الإرهاب والجريمة المنظمة في الساحل، بل يجب دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لتجفيف منابع التجنيد لدى الجماعات المتطرفة.
وفي ظل الانسحاب الفرنسي المتتالي من دول الساحل، وتصاعد التنافس الدولي (الروسي، الأمريكي، الصيني) في المنطقة، تسعى الجزائر، وفق المتحدث، عبر المساعدات الإنسانية والتنموية إلى الحفاظ على دورها كفاعل إقليمي قائد ومحايد، وذلك انطلاقا من هذه المساعدات الرامية للحيلولة عن انهيار هذه الدول، ومن ثم تأمين الحدود التي تربطها بمالي وتشاد، والتي عرفت أزمات سياسية وأمنية متلاحقة، من خلال تفادي تدفقات هائلة من النازحين والمهاجرين غير الشرعيين نحو الحدود الجزائرية.
وبرأي مدير معهد العلوم السياسية سابقا، فإن الرئيس عبد المجيد تبون قدم آلية جديدة في دعم السياسة الخارجية الجزائرية، بتوجيه وتنشيط الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي، كذراع تنفيذي رئيسي لعلاقات التعاون بين الجزائر والدول الإفريقية، لتمويل مشاريع تنموية في دول إفريقية، لاسيما دول الجوار.
وتتجه هذه المساعدات، يقول خوجة، إلى مشاريع البنية التحتية المشتركة، كالاستثمار في مشاريع كبرى ذات بعد إقليمي لفك العزلة عن دول الساحل، مثل طريق الوحدة الإفريقية، الذي يربط الجزائر بالنيجر وتشاد ومالي، بالإضافة إلى مشاريع ذات بعد تنموي واستراتيجي كمشروع الألياف البصرية المحوري، وأنبوب الغاز العابر للصحراء نيجيريا – النيجر – الجزائر، فضلا عن إرسال قوافل جوية وبرية محملة بالمواد الغذائية والمستلزمات الطبية والخيم، والتكوين والمنح الدراسية، واستقبال آلاف الطلبة والكوادر العسكرية والمدنية.
وخلص الباحث في العلوم السياسية إلى المبادرات الأخيرة تجاه دول الساحل، نابعة من “ضرورة جيوسياسية حتمية، ترفع قدرات القوة الناعمة للجزائر، وتساعدها في صياغة محيط إقليمي مستقر ومستقل، ومقاوم للتدخلات الأجنبية التي قد تهدد أمنها القومي”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!