هذه ملاحظات مجلس المحاسبة حول رقمنة قطاع المالية
كشف تقرير مجلس المحاسبة، أن إصلاح التسيير المالي القائم على النتائج طُبق من دون نظام معلوماتي جاهز، رغم مرور أكثر من سنتين على الآجال المحددة لدخوله حيز الخدمة، حيث تمت العملية الرقابية إلى غاية أفريل 2025، كما سجل نقص كبير في تكوين مسؤولي البرامج، ما جعل الانتقال إلى ميزانية البرامج يتم نظريا في بعض النقاط، من دون تطبيق فعلي على أرض الواقع، إلا أنه بالمقابل، تم استحداث تطبيقين بديلين، وهما “إعداد” و”وضع” لإدارة عملية إعداد الميزانية.
ويسجل التقرير التقييمي لمجلس المحاسبة، حسب المشروع التمهيدي لقانون تسوية الميزانية لسنة 2023، أن مرحلة الانتقال إلى ميزانية البرامج والتسيير العمومي قد شهدت عدة صعوبات وعراقيل، من بينها تأخر في استكمال نظام المعلومات المدمج الملائم لمتطلبات التخطيط والبرمجة والإشراف، حيث تنص المادة 81 من القانون رقم 23-07 المؤرخ في 21 جوان 2023 المتعلق بقواعد المحاسبة العمومية والتسيير المالي على وجوب مسك المحاسبة العمومية عبر نظام معلومات مندمج يضمن التكفل الشامل بجميع العمليات المنجزة على مستوى المراكز المحاسبية.
إنجاز تطبيقين بديلين وهما “إعداد” و”وضع” لإدارة عملية إعداد الميزانية
ويكتسي نظام المعلومات أهمية بالغة، ويعد أداة محورية في هذا الإطار، حيث يمكّن من تطوير منظومة متكاملة لجمع البيانات وتخزينها ومعالجتها وضمان سهولة الوصول إليها، مما يسهم في تحسين عملية متابعة تنفيذ برامج مراقبة مدى تقدمها، تقييمها وتحليل النتائج المحققة، ورغم إدراج مشروع رقمنة الأنظمة المعلوماتية على مستوى القطاعات الوزارية ضمن أولويات السلطات العمومية منذ سنة 2019، إلا أن العملية سجلت تأخرا في استكمال مسار تنفيذها، وفي إدماج مختلف القطاعات ضمن نظام معلومات مندمج ومنسجم.
وقد أثر هذا الوضع سلبا على قدرة مسؤولي البرامج الماليين، ومسؤولي الأنشطة، خصوصا على مستوى الأنشطة غير الممركزة في المتابعة الدقيقة لتنفيذ البرامج، مع العلم أن نظام التسيير القائم على الأداء والنتائج الذي كرسته أحكام القانون العضوي رقم 18-15، صمم في إطار مشروع عصرنة أنظمة الميزانية، ليعمل في إطار نظام معلوماتي مدمج للتسيير الميزانياتي والمحاسبي، إلا أن مشروع هذا النظام المعلوماتي لا يزال قيد الإنجاز.
كما شرعت المديرية العامة للميزانية في تجسيد مشروع النظام المعلوماتي المدمج للتسيير الميزانياتي والمحاسبي بتاريخ قبل سنوات، بإبرامها لعقد دراسات مع مكتب الدراسات ويشمل موضوع هذا العقد إعداد دفتر الشروط، للانطلاق في إنجاز هذا المشروع، غير أنه لم يعرف هذا الأخير بداية تنفيذه إلا في شهر أفريل 2020، حيث تم منح إنجازه في إطار برنامج دعم تقني بتمويل من الاتحاد الأوروبي.
وحسب العقد المبرم، فقد حددت آجال تنفيذ هذا المشروع بـ36 شهرا، ابتداء من أفريل 2020، وذلك ضمن الأهداف المسطرة الرامية إلى تحقيق دخول التطبيقات الخاصة بالمهام حيز الخدمة لفائدة المستخدمين المعنيين، بشكل يدعم جميع القواعد والإجراءات الجديدة في ظل القانون العضوي رقم 18-15، ويضمن الاستجابة لجميع الاحتياجات الخصوصية لكل مستوى إداري وكذلك دمج النظام مع تطبيقات تسيير المالية العامة الحالية أو المستقبلية.
كما كان ضمن أهدافها اكتساب المهارات اللازمة لتنفيذ واستخدام النظام من خلال التدريب ونقل المهارات من طرف وكالة متخصصة في التقنيات Agence Technique كما كان يجب عليها ضمان جودة الإدارة والتمويل والتنسيق وتم تحديد حوكمة المشروع وتنفيذه من خلال أربع لجان تم إنشاؤها بقرارات صادرة عن وزير المالية، وتتمثل في لجنة التوجيه ولجنة إدارة المشروع والمجموعة الوظيفية ومجموعة التكنولوجيا.
وكان يفترض، حسب الاستحقاق التعاقدي، تسليم هذا النظام المعلوماتي في شهر مارس 2023، إلا أنه عرف عدة تمديدات نتيجة تحفظات وزارة المالية، لذلك قام مصمم هذا النظام باقتراح خطة عمل وافقت عليها وزارة المالية بتاريخ 12 أكتوبر 2023 بهدف رفع التحفظات والاستلام النهائي لمشروع UE-REFINE في أجل أقصاه 24 ديسمبر 2023، وتمت عمليات التنفيذ في الفترة الممتدة من 16 أكتوبر 2023 إلى غاية 24 ديسمبر، وشملت أربع مراحل، التصميم، التنفيذ، النتائج، والمرحلة التجريبية.
وبتاريخ 28 نوفمبر 2024، تم تجريب هذا النظام المعلوماتي في تنفيذ نفقات أربع مديريات عامة تابعة لوزارة المالية على أن يتم توسيع تجربته في خمس وزارات وولايتين، إلا أن العملية التجريبية واجهتها عدة صعوبات وبقيت تلك هي وضعية المشروع المتضمن هذا النظام المعلوماتي إلى غاية تاريخ المهمة الرقابية لمجلس المحاسبة في شهر أفريل 2025.
بالموازاة مع إنجاز هذا النظام المعلوماتي الذي تأخر وضعه حيز الخدمة، سجل مجلس المحاسبة قيام المديرية العامة للميزانية عن طريق مديرية الأنظمة المعلوماتية بتطوير تطبيقين ويتعلق الأمر بتطبيق “إعداد” الذي يهدف إلى إدارة عملية إعداد الميزانية وذلك بجمع الطلبات، تنظيم النقاشات المتعلقة بالميزانية، وإعداد الوثائق المرافقة لمشروع قانون المالية.
هذا التطبيق قيد النشر على مستوى الوزارات والمؤسسات العامة وأيضا تطبيق “وضع” يستخدم في البرمجة الميزانياتية، إدارة حركة الاعتمادات والمناصب المالية، تم تنفيذ جزء من هذا المشروع، وهو في طور التكامل مع الأنظمة الأخرى المرتبطة بإدارة المالية العامة.
والملاحظ أن حتى هذين التطبيقين لم يتم وضعهما حيز الخدمة على نطاق واسع إلى غاية تاريخ إجراء للمهمة الرقابية في شهر أفريل 2025، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليهما كبديل للنظام المعلوماتي المدمج للتسيير الميزانياتي والمحاسبي الذي يجب الإسراع لإتمامه في أقرب الآجال والذي من دونه لا يمكن في أي حال من الأحوال وضع حيز التنفيذ النظام الميزانياتي وفق نمط التسيير الجديد القائم على النتائج والأداء المكرس في أحكام القانون العضوي رقم 18-15.
نقص في تكوين مسؤولي البرامج والأنشطة
وسجل مجلس المحاسبة وجود قصور ملحوظ في تكوين مسؤولي البرامج والأنشطة، لاسيما فيما يتعلق بتطبيق أحكام القانون العضوي رقم 18-15 المتعلق بقوانين المالية حيث تبين أن عددا كبيرا من هؤلاء المسؤولين لم يستفيدوا من تكوين كاف قبل الشروع في تنفيذ الإصلاح الجديد للتسيير العمومي، لاسيما فيما يخص الإطار القانوني والتنظيمي الذي يضبط هذه الإصلاحات، وفي ترسيخ ثقافة الأداء ضمن مختلف المصالح الإدارية.
ورغم تنظيم وزارة المالية لدورات تكوينية قصيرة المدى بهدف تعريف الإطارات بمبادئ التسيير العمومي الجديد، إلا أن هذه التكوينات لم تشمل سوى بعض أعوان الإدارة المركزية، ولم تشمل جميع مسؤولي البرامج، مما جعل التطبيق العملي لهذه الإصلاحات أكثر تعقيدا، وهو ما يتجلى من العدد الكبير من المذكرات والتعليمات التفسيرية التي تم إصدارها طيلة السنة.
وتم تسجيل غياب إدراج هذا النوع من التكوين بشكل منهجي ضمن المخطط القطاعي السنوي للتكوين على مستوى الوزارات رغم أهمية إعطاء الأولوية لهذا التكوين الضروري لتجسيد أحكام القانون العضوي المتعلق بقوانين المالية، بهدف ضمان التطبيق الصحيح، ومطابق لأحكام القانون العضوي المتعلق بقوانين المالية.