هذه هي أسرار حياة بن بلة في الإقامة الجبرية
كشف الحارس الشخصي للرئيس الأسبق أحمد بن بلة، المجاهد محمد هنين، المدعو “حمة”، عن كثير من الأسرار غير المعروفة حول وقائع مهمة رسمت تاريخ الثورة، والعلاقة بين قادتها. كما أزال الضابط السابق بجيش التحرير الوطني اللثام عن القصة الحقيقية والكاملة لإزاحة بن بلة من الحكم، ويومياته في الإقامات الجبرية، وفحوى الأحاديث التي جمعته بالرجل، وكذا بعض أسراره الشخصية التي تنشر لأول مرة.
“الشروق” التقت بمحمد هنين، المدعو “حمة“، في مقر المنظمة الوطنية للمجاهدين بولاية تبسة، حيث تحصلت على فصل مهم من الجزء الثاني لمذكراته “من نار ونور“. وهو الجزء الخاص بإزاحة الرئيس الراحل أحمد بن بلة ـ قيد الطباعة ـ، تحصلت “الشروق” على نسخة منه.
هكذا تم إزاحة بن بلة من الحكم
وتطرق الملازم في جيش التحرير الوطني في مذكراته إلى كيفية إزاحة أحمد بن بلة من الحكم وقال إنه أثناء التحضير لمؤتمر رؤساء الدول الإفريقية بالجزائر، نشب خلاف حاد بين أحمد بن بلة وبومدين، وزير الدفاع آنذاك. وفي هذه الفترة اجتمع بومدين بقادة النواحي العسكرية بالبليدة في أوائل شهر جوان 1965، حيث شرح موقفه لأنه أراد الاستقالة من وزارة الدفاع، نظرا إلى توتر العلاقة بينه وبين بن بلة، لكن قادة النواحي رفضوا استقالته وأيدوه في موقفه الرامي إلى إزاحة بن بلة من الحكم. ومن هنا عين قائد الناحية العسكرية الأولى “السعيد عبيد” مشرفا على التحضير للإجراءات التي سترافق عملية الإزاحة.
ويكشف المدعو حمة عن إصدار السعيد عبيد أمرا إلى الفليق 53 يتضمن تعيين مجموعتين من الجنود، حيث تتكون المجموعة الأولى من 60 جنديا تحت قيادة الملازم هنين محمد، حيث كلف بمهمة دخول “فيلا جولي” للقبض على أحمد بن بلة، فيما تتكون المجموعة الثانية من 60 جنديا أيضا تحت قيادة الملازم السعيد بن الذيب، حيث كلف بالذهاب إلى قصر الحكومة، تحسبا لعدم وجود بن بلة في فيلا جولي بالتالي قد يكون مكان وجوده في قصر الحكومة أمرا محتملا، وذكر حمة أن عملية التحضير لإزاحة بن بلة من الحكم دامت قرابة أسبوع كامل بما في ذلك تحضير المعدات واختيار الجنود الأكفاء والمؤهلين لذلك من ناحية النشاط والتجهيز والتدريب.
ويفتح صاحب المذكرات تفاصيل الانقلاب ويقول إنه “في 18 جوان 1965 وفي الساعة الثامنة ليلا تنقلت المجموعتان سالفتا الذكر بالسيارات إلى ثكنة الخروبة بالجزائر قرب شارع جيش التحرير.. وبقينا ننتظر هناك أخبار تغيير الحراسة المحيطة بفيلا جولي وذلك من طرف قادة الفيالق الذين كانوا يغيرون ملابسهم عند “أحمد درارية“، قائد الشرطة الذي كان في البداية رافضا فكرة تغيير الحراسة ولكنه وافق بعد ذلك ومن ثم أتتنا إشارة بالتحرك نحو قصر فيلا جولي وقصر الحكومة. واتجهنا إلى المكان المعين. وفي هذه الأثناء تلقتنا سيارة فيها صحافي بريطاني كان يتبع حركاتنا فهددته بالسلاح فتوقف عن متابعتنا حتى لا يكشف اتجاهنا وقمنا بإنزال الجيش قرب كل من فيلا جولي وقصر الحكومة. وكل مجموعة تمركزت بمكانها، حيث بدأت المجموعة الأولى تحت قيادتي بالدخول إلى المحيط الخارجي للقصر، فوجدنا كلا من قائد الناحية العسكرية الأولى سعيد عبيد والطاهر الزبيري وعباس قائد كلية شرشال والسعيد شايبي رفقة الحراس الذين تم تغييرهم وهم أنفسهم قادة فيالق إذ أصبحوا حراسا في هذه المهمة بدلا من عناصر شرطة لتجنب أي مكروه“.
ويضيف حمة: “بعدما عاينت الحراس قمت بتحديد مهامهم فكل جندي يجب أن يقف أمام نافذة من نوافذ القصر حتى لا يفر بن بلة. وعينت 10 جنود تحت قيادة حسين بولكرم لتفتيش الطابق العلوي للقصر. وفي هذه الأثناء سمع بن بلة الضجيج والحركة فنزل أدراج القصر متجها إلى الباب الرئيسي فوجد أمام الباب المجموعة سالفة الذكر. فوجه أحمد بن بلة كلامه إلى الطاهر الزبيري قائلا: “لمَ جئتموني بالسلاح، لو استدعيتموني لأتيتكم بنفسي؟” فرد عليه الزبيري قائلا: “لقد استدعيناك عدة مرات ولكنك لم تأت، ثم قيدنا يديه وأدخلناه السيارة التي كان يقودها السائق بشير كيال، من برج بوعريريج. وألقينا القبض أيضا على مستشاره بن فتيتة الشريف، وأدخلناه السيارة الثانية. وأمرني القائد السعيد عبيد بمرافقتهم ثم اتجهنا من ثكنة الخروبة وفي الساعة الثامنة اتجهنا إلى الصومعة قرب بوفاريك.
وتطرقت مذكرات الحارس الشخصي لبن بلة إلى فحوى الحديث الذي جمعه أثناء الإقامة الجبرية وروى فيها قائلا: “عندما طلب مني بن بلة فنجان قهوة قلت له سوف أغسل لك الفنجان. وهذا من باب الإنسانية وليس لأنك رئيس للجمهورية“. فقال لي: “أنا مكتوب علي التنقل من سجن إلى آخر“، فقلت له: “عندما ألقي القبض من قبل الفرنسيين بالطائرة هتفنا كلنا بحياة بن بلة“. فقال لي: “هل كنت في صفوف المجاهدين؟” أجبته بنعم فقال لي: “لقد أخبروني بأن جميع مجاهدي الثورة لم يبقوا بالجيش“، فقلت له: “كنت تعيش في دم الجيش وبخروجك من الجيش خرجت من الحكم“، قال لي: “أنا رئيس للجمهورية وأضم كل المنظمات القومية“، فقلت له: “عند قدومك من فرنسا أدليت بتصريح في تونس بواد ملاق مفاده أن الجيش يبقى في الطليعة لكن ذلك لم يثبت وكان مجرد كلام زيادة على ذلك قمتم بقتل شعباني محمد، قائد ناحية بسكرة آنذاك وتركت آيت أحمد الذي كان متمردا بولاية تيزي تيزي وزو“، فأجابني: “إن كل ذلك تم بأمر من الحكومة“، فقلت: “لم تضع حدا للفوضى العارمة التي عمت منطقة القبائل التي دامت عامين“، فقال لي بـ “أن سكان منطقة القبائل يتميزون بطبائع صعبة المراس واسمح لي إن كنت قبائليا“.
عبد الناصر طلب دليلا على أن بن بلة بخير
ومن بين الأمور التي كشف عنها الملازم حمة في الإقامة الجبرية لبن بلة هو أنه أثناء تبادله أطراف الحديث معه طلب منه إحضار مذياع له لسماع الأخبار “فأعطيته مذياعا وعندما شغله سمع هتاف الشعب الجزائري مرددا: “يحيا بن بلة.. يحي بن بلة..” فقال لي: “اسمع الشعب ماذا يقول ولما صار الحكم للرشاش انظر أين أنا“. ويقصد بكلامه أنه لو كان الحكم بيد الشعب لاختارني أنا ولكن الحكم لقوة السلاح التي أطاحت بي“، فقلت له: “ليس كل الشعب يدرك هذه الأمور وكانت هذه نقطة حوارنا“.
ومن بين الحقائق التي ذكرها حمة في مذكراته أن الرئيس الراحل بن بله أثناء نقله إلى ولاية المدية لإقامته الجبرية الثانية كان خائفا وقال للسعيد عبيد عند ركوبه في سيارة “لاندروفر“: “أنا رئيس حكومة الجزائر ماديروش العار” لأنه كان يتوقع أن نصيبه بمكروه. فرد عليه السعيد عبيد: “ما يكون غير الخير إن شاء الله“، مؤكدا على أن الغرض من تنقلهم إلى ولاية المدية هو تصوير شريط وثائقي لبن بلة مع والدته التي جاؤوا بها في يوم الغد وهذا بناء على طلب جمال عبد الناصر، الذي أوفد المشير عبد الحكيم عامر إلى بومدين ليطمئن على حياة بن بلة.
وأضاف صاحب المذكرات، هنين محمد، أنه تم من دون علمه تصوير شريط فيديو له بكاميرات على بعد 20 مترا إلا أنها ترصد الصوت على 2 كلم بغرض إرسالها إلى صديقه جمال عبد الناصر، مضيفا أنه في تلك المحادثه والدته طلبت منه تزويدها بالمال لأن أسقف منزلهم اهتزت إلا أنه أخبرها أنه يتقاضى 200 . 000 دج وأنه يطعم منها الضيوف ويرسل مائة منها إلى “الدادة“، جدته التي ربته ولما اكتشف بن بلة، يقول حمة، أننا نقوم بتصويره ثار غضبه وأنهى المحادثة وأثناء مغادرة أمه له قالت له: “ماتامنهمش كلهم خداعين..” غير أنه لم يذكر أي أحد بسوء حتى ولا بومدين رغم أنه هو الذي أمر بإزاحته من الحكم، وبقيت معه والدته تلك الليلة وفي يوم الغد أرجعوها إلى منزلها بمغنية ولاية تلمسان.
سعيد عبيد تلقى عروض مسؤولية لكن أخذ بنصيحة بن بلة ورفضها
من بين الحقائق التي كشف عنها الملازم حمة في مذكراته هو أن السعيد عبيد قائد الناحية الأولى آنذاك تلقى عروض تولي مسؤوليات من طرف الراحل هواري بومدين على غرار منصب وزير الخارجية وعدة مناصب عليا في البلاد إلا أن هذا الأخير أخذ بنصيحة بن بلة ورفضها كلها وبقي على رأس الناحية العسكرية الأولى.
كما تحدث حمة أيضا عن أسرار أخرى لبن بلة، حيث قال له: “كنت أنوي التخلي عن نظام الجيش بالجزائر وترك الميليشيات فقط وتصبح الجزائر مثل سويرسرا على حد تعبيره إلى جانب تسوية الحدود بين الجزائر وتونس بترك 2 كلم لعبور التوانسة بواد ملاق مع إيجاد حلول لتسوية الوضع مع المغرب لإنهاء النزاع ويكون الحل يخدم الجزائر لا ضدها.
قصة بن بلة والفتاة الفرنسية
وفي سياق متصل، تحدث عمي حمة في مذكراته عن ظروف الإقامة الجبرية للراحل بن بلة. وهذا في 7 إقامات سواء البليدة، الدويرة، زرالدة، المدية، بوزريعة. وقال: إن “بن بلة كان يتمتع بكامل الامتيازات وكان له ثلاث غرف واحدة مخصصة للأكل والثانية للنوم والثالثة للجلوس والاستراحة مجهزة بتلفاز كما كان له طباخ خاص به يجهز له جميع الأكل الذي يريده وكذا حلاق خاص وخزانة تحمل كل الأدوية التي يحتاجها، وتحضر له يوميا كل الجرائد.
ومن بين الأسرار التي باح بها بن بلة للمدعو حمة ودونها في مذكراته أن بن بلة كان يعيش قصة حب مع فتاة فرنسية الجنسية إلا أن خوفه من أن يتهم بأنه “حركي” دفع به إلى العدول عن قراره، حيث قال: “إنني كنت أريد الزواج من محامية فرنسية الجنسية، وكلتها للدفاع عني حينما كنت في السجن ولكنني عدلت عن قراري والسبب أنني رئيس حكومة الجزائر فكيف لي الزواج بفرنسية، وقررت الزواج من حفيدة الأمير عبد القادر التي كانت مديرة معهد التعليم في سوريا“، مضيفا: “وكل هذا لم يتحقق كوني في الإقامة الجبرية“.
وعن علاقته بجمال عبد الناصر، كشف بن بلة أنه “أثناء الثورة التحريرية، كان لجمال عبد الناصر فضل كبير علينا فعندما قرر مدنا بالسلاح عارض مجلس الأمة المصري إذ إنه أخذ القرار وحده وزودني بالسلاح“.
وفيما يخص حادث الطائرة وإلقاء القبض عليهم من طرف الفرنسيين بمطار الجزائر بمعية كل من حسين آيت أحمد، محمد بوضياف، محمد خيضر، محمد الأشرف، قال بن بلة للمدعو حمة إنه عندما كان نازلا على درج قصر القبة بمصر “سألني جمال عبد الناصر وقال لي: هل أنتم مطمئنون لهذا السفر الذي ستقومون به من المغرب إلى بروكسيل؟ فقلت له: لمَ لا نطمئن لهذا السفر؟ فقال لي: إياك من الملوك. وعندما أقلعت الطائرة من الرباط قاصدة بروكسل تلقتنا الطائرات الفرنسية وأنزلونا بمطار الدار البيضاء بالجزائر وقد حولوني مع رفقائي الأربعة وهم آيت أحمد، محمد بوضياف، محمد خيضر، محمد الأشرف، إلى السجن بفرنسا وقضينا هناك قرابة سبع سنوات من 1956 إلى غاية 1962″.