هكذا انقرض الأيل البربري بين الإبادة و”الحرقة” إلى تونس
منذ سنوات فقدت القالة آخر رمز كانت تعرف به، فقد سقط المرجان من معالم المدينة ولم تعد تعرف اليوم بسوى الخنازير التي تغزوها يوميا وجحافل الكلاب المشردة التي تجوب شوارعها ليلا، ويأتي سقوط المرجان على يد زمرة من المهربين.
بعد زوال الأيل البربري، الذي ظل لسنوات طويلة بعد الاستقلال رمزا للمدينة، لم يبق منه اليوم سوى صوره على لوحات الحظيرة الوطنية، التي خلقت خصيصا ليعيش فيها الأيل البربري، فتحولت إلى مقبرة له، لتقوم سلطات المدينة مؤخرا بدق آخر مسمار في نعش الأيل البربري، بتعويض تمثاله المتواجد بقلب المدينة منذ السبعينات بآخر يمثل غزالا لا وجود له بالمنطقة على الإطلاق.
طرقات تشق وسط المحميات الطبيعية؟!
لا توجد اليوم أي أرقام تشير إلى عدد رؤوس الأيل البربري بالطارف، بسبب عدم قيام أي جهة كانت بعدها على مدار الثلاثين سنة الماضية بعملية عده، إذ تعود آخر عملية لإحصاء الأيل البربري بالقالة إلى سنة 1986. وقتها أكد خبراء عاملون بحظيرة القالة وجود قرابة 300 رأس ما بين منطقتي قمة روزا غربا وصولا إلى العيون شرقا على الحدود مع تونس ومثلها تقريبا بمنطقة الزيتونة إلى حمام بني صالح. وكانت تلك أول وآخر عملية تمولها الدولة لصالح هذا الحيوان حيث تم وضع برنامج لتكاثفه وكللت العملية بتسريح ما يفوق 65 رأسا، نهاية الثمانينات، من محمية برابطية التي كانت وقتها مكانا خاصا لذلك. وقد وصل تكاثر هذا الحيوان الذي وجد خلال الثمانينات مناخا ملائما للعيش أن أصبح يرعى بمحاذاة المنطاق السكنية ويؤم البحيرات للاستحمام. ومنذ آخر عملية لتكاثره بمحمية برابطية التي تحولت اليوم إلى أكبر حديقة حيوانات بالبلاد، ترك هذا الحيوان ليواجه الانقراض على يد عصابات الصيد ومشاريع التنمية التي ترعاها الدولة على السواء. ومع مرور السنوات تناقص عدد رؤوس الأيل البربري ليختفي نهائيا من تلك المنطقة.
وحسب السيد رفيق بابا أحمد، وهو أحد أعضاء فريق بحث مهتم بتطوير هذا الحيوان والحفاظ عليه، فإن الأيل البربري واجه خلال العشريتين الماضيتين عملية إبادة منظمة تضمنت ثلاثة أوجه، الأول تمثل في الإبادة عن طريق الصيد والثاني بسبب فقدانه لكل المقومات الطبيعية للعيش بسبب فقدانه كامل المساحات التي كان يعيش فيها نتيجة المشاريع السكنية وحرائق الغابات وشق الطرقات التي تسببت في قتل عشرات الرؤوس منها بحظيرة القالة، فيما شكلت عملية صيدها من قبل الذئاب والضباع نسبة صغيرة جدا.
مسؤولون ونافذون يصطادون الأيل بذخيرة مهربة
الحديث عن جمعيات الصيد بالطارف يقود مباشرة إلى الحديث عن مجموعات مشكلة من مسؤولين نافذين ومنتخبين محليين اتخذوا من صيد هذا الحيوان هواية محببة، فجميع من يتطرق إلى هذا الموضوع لا يجد حرجا في ذكر عدد كبير من المسؤولين المحليين والعسكريين المتقاعدين والمنتخبين الذين كانوا يشكلون خلال سنوات التسعينات وبداية الألفية الثالثة جمعيات صيد خارج القانون ويخرجون مرة أسبوعيا لصيد الأيل البربري بحظيرة القالة والزيتونة وجبال بوعباد بالشافية. ووقتها شكل لحم الأيل أطباقا شهية ومتنوعة على موائد هؤلاء، حتى إن بعضهم، حسب ما رواه كثيرون، أصر على إعداد موائد أفراحهم وولائمهم بلحم الأيل.
وأكد كثيرون أن هؤلاء كانوا يتمونون بالذخيرة من المهربين على الحدود بين تونس والجزائر، وهو ما تعززه الأرقام الخيالية للذخيرة المحجوزة على الحدود من قبل المصالح الأمنية والتي تكون، حسب مصادر مطلعة، قد مرت منها كميات مماثلة أو أكثر. ومع مرور الوقت وتكاثف عمليات هؤلاء لم يعد الأيل البربري يرى في الطارف مطلقا، ما دفع بهؤلاء إلى توظيف أشخاص بالمناطق الغابية الكثيفة لإعلامهم بوجوده في حال ظهوره، وحتى الـ65 رأسا التي تم إطلاقها من محمية برابطية بداية التسعينات لقيت نفس المصير على أيدي مجموعات الصيد. وهي التي كلفت أموالا طائلة وسنوات طويلة لتكاثرها.
توانسة يستخدمون حيلا شيطانية لجلب الأيائل إلى ترابهم
قال الأستاذ رفيق بابا أحمد إن عمليات الإبادة المنظمة هي السبب الرئيسي علميا في انقراض الأيل البربري وبدرجة أقل عوامل الحرائق والحياة البرية والطرقات، ونفى المعني الذي يقود رفقة عدد من زملائه بجامعتي عنابة والطارف فريق بحث لإنقاذ هذا الحيوان من الزوال النهائي، أن تكون الجارة تونس قد سعت بأي طريقة إلى تحويل الأيل البربري من الجزائر إلى أراضيها، وكل ما قيل مجرد إشاعات وقصص خيالية قام بابتكارها مسؤولون وشخصيات محلية غالبيتها متورطة في عمليات الإبادة عن طريق الصيد أو فشلت في عملية حماية الأيل. فلا يعقل، حسب المتحدث، أن يتم صيد الأيل البربري بالتخدير في عز الأزمة الأمنية بالجزائر وملاحقته إلى مناطق غابية داخلية، كما قام هؤلاء لتبرير الفشل بإطلاق قصة أخرى مفادها قيام التونسيين بوضع مكبرات صوت على الحدود بالمناطق التي يتواجد بها الأيل البربري كالزينونة ورمل السوق والعيون وإطلاق الصيحة المعروفة للأيل الذكر خلال فترة التكاثر لجلب الإناث إلى ما وراء الحدود وحبسها بمناطق مسيجة.
وقال المتحدث إن جميع هذه الروايات كانت مجرد قصص وهمية استعملت شعبيا وحتى رسميا لتبرير انقراض الأيل البربري بالطارف في ظرف سنوات، مشيرا إلى أن عددا مهما من رؤوس الأيل نزح نحو تونس بسبب فقدانه لظروف العيش العادية، خصوصا من حيث شساعة المساحات، حيث إن عائلة لأيل ذكر واحد مشكلة من ست إناث وبضعة صغار تعيش في نطاق لا يقل عن 400 هكتار، وهو أمر أصبح من المستحيلات بالغابات الجزائرية .
تونس تنجح حيث فشلت الجزائر
منذ سنوات طويلة، تحاول الدوائر المركزية إعادة بعث الأيل البربري فأقامت لذلك العديد من مراكز التكاثر كزرالدة وأكفادو، وتحاول حاليا خلق محمية بحمام بني صالح تجمع ولايات الطارف وڤالمة وسوق أهراس على مساحة 4000 هكتار. وتعول هاته الدوائر على خلق محمية تتوفر على كامل الظروف الطبيعية لتكاثر الأيل البربري في غضون خمس سنوات على أكثر تقدير. والفكرة طبعا ما تزال قيد الدراسة والبحث، في حين قامت تونس على الجهة المقابلة بخلق محمية الفايجة على الحدود مع الجزائر بإمكانات بسيطة جدا وضمنتها كل الشروط التي تحتاجها الحيوانات البرية للتكاثر، خصوصا الأيل البربري الذي فضل “الحرقة” نحو هاته المنطقة هربا من الإبادة وبحثا عن السكينة التي يفضلها في عيشه وسط الغابات، حيث يقدر عدد الرؤوس المتواجدة بها ما بين 250 و300، وهي تفضل العودة إلى موطنها، حيث رفض محافظ الغابات بالطارف وفريق البحث الخاص بالأيل البربري كشف أماكن تواجد القطعان التي عادت خلال السنوات الماضية، خوفا من تعرضها للإبادة أيضا في انتظار إطلاق مشروع محمية بني صالح التي يقول محافظ الغابات إنها الفرصة الأخيرة لحماية الأيل البربري من الانقراض التام، لأن صمت مسؤولي الطارف الذي طال أمده وبحث له عن مبررات، لا يمكن أن يجعل المسؤولين المركزيين المهتمين بالبيئة أو هكذا يزعمون، أيضا أن يبقوا صامتين.