هكذا صفع قادة الثورة الوقاحة الكولونيالية
إنّهم العَفَجْ .. العين والفـاء والجيم، إنّها ثلاثة حروف تُعَبّرُ عربيًـا عن العسْكـرِيين الفــارّين من الجيشْ الفرنسي، وعُـبِّـرَ عنها فرنسيـا كذلك بثلاثية أُخْرَى وهي الدّال، والألف، والفاء أي ” الداف-DAF” والتي تحمِل نفــسَ المعـنَى المذْكُــور سـابقًـا .ومنْ ليسَ لهُ دِرايَة بهـذه الفـئة، فهيَ تِلك التّي يتـكوّن عنـاصرهـا من بعض الشبّـان الجـزائـريين المستخدمين والمنْخَـرطين مِن تلقــاء أنــفسهم، أو الذين أُجْبِرُوا على أداء الخدمة العسكرية في صفوف القوّات المسلحّة للعـدو كجنود، وصف ضبـّـاط، وضبـّـاط .حيثُ فضّلوا الفــرار من وحـداتهم ومـراكــزهم ومدارسهم، للالتحاق تلقائيـا بصفوف جيش التحرير الوطني حيث أبلَىَ بَعْضُهم بلاءًا حسنًا فـي مقارعَة جَحَافِلْ المستعمرين.
المهمة الصعـبة لكريم بلقــاسـم
اقْتَــنَع كريم بلقاسم بأنّ الظـروف أصبـحت سانحة لعصرنة جيش التحرير الوطني لتوفر بعض العناصر، ومنها وصول الشباب من الثكنات العسكرية المرابطة بألمانيا، كورسيكا أو فرنسا .
كان كريم بلقاسم يشاطر رئيس ديوانه الــرائــد مولود إيديــر، السعادة (الذي هو بدوره من قدماء الجيش الفرنسي)، حيث هالهم أفواج التقنيين المتمكنين، والذين بواسطتهم يمكن أن يساعدوهم في تركيب وحدات عسكرية عملياتية كبرى، والتي أصبحت ضرورية نظرا لتطوّر أساليب الكفاح .
لقـدْ نَوّهَ كـريـم بلقاسم بالنتـَائِج المُتحصل عليها في مجَال تكوين جيش التحرير الوطني، دون أنْ يَنْسَى الإشادة في جميع المحافل الدولية، بخصَال الضّباط المحترِفين الذين غادروا على دفعات الجيش الفرنسي للالتحاق بالكفاح المحرر، حيث اعترف المسؤول السالـف الذِكْـر بأَنّ لهــؤلاء الفضل لرفع مستوى نـوعية قـــواته .
وفي منَاسَبة أخرى بطرابلس اللّيبية، وخلال مقابلة مع الملك سنوسي وكان بمرافــقة فرحات عباس، أحمد توفيق المدني وعبد الحفيظ بوصـوف.
وأمَـام جَـمْع من الصحفيين أعــادَ ذِكْــر الخطوط العريضة المُسطـرّة لتكوين الجيش، والتي خَصَّ بها شركة “كولومبيا نيوز” النيويوركية. حيث شرح للمستمعين الإستراتيجية الموضوعة لتطوير جيش التحرير الوطني .. وقَــد لاقى هــذا التصريح صدى كبــيرا تنــاقلته إذاعات ما وراء المحيط الأطلسي…
سؤال: ماذا تعتزم فعله الآن؟
الإجــابة: يجب العمل بلا هـَـوَادَة لتطويـر القُدُرات التَنْظِيميَة والتي بلَغَت ذُروتَها فيما يتعلّق بتكوين إطـَارات جَيْش التحرير الوطني، الضباط وصف الضباط، وتلقينهم أساليب جديدة تتماشى مع حربنا التي تعتمد على المناورة وكَثْرَة الحَرَكَة .
أمَّا بِخصُوص برامجهم التدريبــية فهي تشكّل شُغلا دائمًا لنا، والذي يجب التكفل به على جميع مستوايات القيادة داخل الوطن أو خارجه، حيث تّم إنجاز بعض المدارس التي تستقبل شبابنا الطمُوح لاستقلالِ بلاده .
يُعتَبر انضمَام العسْكريين الجزائريين الذين كانوا يعملون بالقوات الفرنسية في حد ذاته عنوانا بارزا وحدثا هاما دفع بتطوّر مسار الثورة، حيث أن التغييرات التي حدثت داخل الجيش الجزائري كان مصدرها سبب واحد لا جدال فيه، ألاَ وهو البصمة العميقة التي تركها هؤلاء وهذا بمساهمتهم الفعّالة في تحسين نوعية التدريب لفائدة المنخرطين الجدد، وفَتَحَ نَافِذة لجُـنود جيش التحرير الوطني المتمرّنين في حرب العصابات، ليستقــوا من قــاموس جــديــد ألا وهو مكــوّنــات الجـــيوش الكلاسيكــية وكيفـــية عــملها والطــرق المختلفة التي ينتهجونها لمــواجـهة حــروب الكـرّ والفـرّ.
وعلى ضوء ما سلف تمّكن العفج الفـــافـــاوي من وضع أجنــدات تنظيمية جديــدة تحمل كلّها عصارة خبرة سنوات خلت
الانــتــقــام مــن إهــانـــة الأجــــداد….
لـِحَــد السَـــاعة، لمْ يتِـمْ دّق نَاقُــوس الخـَـطَــر مِنْ طَرَف السلطـــات الاستعمارية بخصوص بعض الحركــات المنعـزلة والتي تـمّ من خلالهــا التحـاق بعض مجنديها بصفوف الثورة .
وكانت الصّدْمَة الصَاعـقَة بِمرْكــز لبطيحة (القريب من سوق أهراس) حيث غادرته للثورة في مارس 1956 كتيبة من فرقة “التيرايور”.. وحينها فَــرَّكَتْ السلطات الاستعمارية عَيْنـــيْهَا لترى الواقع المرّ.. رجال كوّنتهم يلتحقون بالكفاح من أجل تحرير وطنهم .
ولذا تمّ تحقيق العــدل بصفع الوقاحة الكولونيالية التي تريـد مواجهـة الجنــدي الجزائــري بجنــدي من أبنــاء جلــدتــه، وهنَا أذابت الحقيقة الشعار المزيّف الذي أرادوا لمواطنينا أن يدافعوا عنه عسكريا وهو شعار “ولاء- وفـــاء- انضباط”.
وجدت السلطات الفرنسية نفسها مرغمة بتدارك خطورة هذه التسربات، خصوصا أن من غادروا إلى الجهة الأخرى يعتبرون من النخبة لديها، حيث لا يخفى عليهم أن السّلاَح الذي صنعُوه والحراب التي حضّروها قد لا تدوم إلا هُنَيْهَةً من الزمن لتقطع أوصال أبنــاءْ الجيـش الفرنسي .
ولقد تجرّع الحَــاكم العـَـام الفرنسي الحنظل لما أعطى اسمه للدفعة المعروفة بـ”روبـــار لاكـــوست”، حيث من خلالها أراد وقف نزيف الفرار.
وفسّره إلى عدم تكافــؤ الفرص بين الفرنسيين وأهالي البلد، وأراد تـدارك الخطأ وهذا بعد فوات الأوان، حيث سوّلت له نفسه، فتح مدارس، وتحرير الرّتب العسكرية أمام الأهالي والمواطنين المسلمين والذين كانوا دائما تَوّاقينَ إلى المساواة ..
وكانت خَيبة أمل هَــذا الاستعماري سيئ الصّيت كَبيرَة، حيث غَادرت هــذه الدّفــعة بِــدَورهــا لتلــتحق بصفوف جيش التحرير الوطني، وبهذا التصرف ضمّد هؤلاء الشباب آلام ما فَــتِئَتْ تَنبض من جـِراح جسم مكلوم نهشته على مرّ عشرات السنين حراب الغزاة.
إلا أن المخابراتي الفرنسي Roger wybot، وهو إطار مؤسس لمديرية حماية الإقليم المسماة بـ “DST”، صرّح بأنه غضّ النظر عن الظاهرة كون هؤلاء سيكونون لاحقا أعوانا مخلصين لنا، وهذا للمحافظة على الجزائر لتكون داخل دائرة التأثير والهيمنة الفرنسية .
لقد انتقم الأبناء لمعاناة الأجداد والذين كانوا مرغمين لسبب أو آخر .. أن يرتدوا رداء الكولونيال لنيل لقمة العيش.
الـمــنـبــوذون …..
إنَّ تَاريخ المؤسّسة العسكرّية الجزائرّية يزخــر قبل وبعد الاستقلال بالأحداث التي تتخلّلها من حين إلى آخر صدمات تسبب أحزانا لهؤلاء الرجال… الذين أصبحوا محلّ سخريَة وتنْكيت، بالرغم أنهم قدموا للكفاح المسلح لتحرير بلدهم وهذا بمحضِ إرادتهم حيث تركوا وراءهم الحياة الرّغيدة والرّتب والنياشين وجنسية دولة عظمى.. وامتيازات لا حصرَ لها.. وعطل بعـــاصمة الجن والملائكة .
كيف لهم أن يتركوا كلّ هذه الخيرات ليخوضوا غِمَارَ معَارك ليسُوا هُمْ بِدِرَايَةٍ عن نهايتهم فيها: الموت، العطب مدى الحياة أو الأسْر أو التعذيب؟
إذن، تركُــوا الرّفـــاهــيَة إلىَ مصير مجهول، وحزّ في نفوسهم حتى وبعد كل تضحياتهم أنّ فئة من أبناء بلدهم تعلن عنهم حربًا إعلامية، ليصبحوا بعدها منبوذين من السواد الأعظم للمجتمع.
ومن الذين يَضْمُرُون لهم العــدَاء، بعض المجاهدين الذين كافحوا وقتا وجيزا بالداخل وحال الخـط المكَهْرَب بينهم وبين العودة من جديد إلى منطلقهم ليبقوا بالأراضي التونسية والمغربية في عناقٍ مستمر مع أسلحتهم ..
بعض الذين يتشبثون بالأقدمية في الخدمة ويريدون أن يجعلوا منها مؤشر وفــاء وإخلاص للوطن، ويبدأ هذا المؤشر بالترقــيم من واحــد إلى سبعة، وهي عدد السنوات التي دام فيها الكفاح المسلح، وأصبح هَــمُّ هؤلاء الدّائم، هو الاستباق في قياس النبرة الثورية لكل واحد عبر من التحق الأول !!؟
حتى أنّ أحد العفج كان مسؤولا بمركز تدريب بالحدود التونسية، وقام صبيحة أحد الأيام بتوجيه ملاحظة لأحد المجاهدين القادمين إلى التجمع وهو متأخر، حيث قال له ذات المسؤول إنّه متأخر بخمس دقائق، فأجابه المجاهــد وأنت تأخّــرت للالتحـاق بالثورة بخمس سنــوات.
وربما كان هذا الرّد نتيجَة لطول المُكوث في الثّكنات، حيث فعل الملل فعلته في أذهان هؤلاء.
هذه الهجمات الشرسة والتي معظمها لا تكتسي أي صيغةً واقعيّة أو أدنى تبْريــر، بقــت تُلاَحِق العفــج الفـافـــاوي حتّى بعد الاستقلال.
خلال مؤتمر جبهة التحرير الوطني في شهر أفريل 1964 والمنعقد في “سينما أفريكا”، قام بوعلام بن حمودة ممثل الولاية الرابعة بالتّهَجُم على هذه الفئة، ليَزِيد من عزلتها أكثر وأكثر.. ولم يرق للجميع استقبال الزعيم السوفياتي “ليونيد بردجنيف” لعبد القادر شابو عضو مجلس الثورة وأمين عام وزارة الدفاع الوطني والذي كان في زيارة عمل لموسكو سنة 1967 ومضمون الزيارة جدول أعمال مضمونه تقني فقط .
أمّا العقـــيد محمد شعبــاني فلم يُجَاهِــر العِــداء أبدا لهذه الفئة، بل طلب رسميًــا تحــاشي تعــيين بعــض عنــاصرهــا علــى رأس المديــريـــات المركــزية لـوزارة الدفـــاع الــــوطني.
أمّا المحاولة التصْحِيحِية التي قَـــام بهــا العقيد الطّاهر زبيري والتي شَرَعَ المُغْرِضون على تفسيرها أنّها موجهة ضّد العفج، محاولين بذلك تحريف هدف الحركة التي تصبو إلى محاربة الحكم الفردي الذي كان سبب عزل الرئيس بن بلّة، وإنني هنا لأدلي بشهادتي كمجاهـــد بأن العقيد الطاهر زبيري لم يسبق له قّط أن صّنف المجاهدين على أي مقيـــاس كـــان.
في عام 1992 وبعد توقيف المســار الانتخابي، وحينما وصل بعض ضبّاط العفج الفافــوي إلى مقاليد السلطة، قام من يُنَــاصِب لهم العــداء بتفسير ما فعلوه أنه بإيعاز من فرنسا، وهم يدركون أن لولا هذا الإجراء الحكيم لتمَّ صَمْلَلة ولَبْنَنَة الجزائـــر، وهي أضْغَـــاث أحـلام يريـد المريدون بالبـلاد سوءا، أن يـرونهـا تتحقق ميدانيا .
في هـذَا النطاق، قام النَّــرجسِي عبد الحميد الإبراهيمي وكذا عمار بن عودة الذي يطلّ على الواقع العصري، عبْر لحظَات معدودة محاولاً أن يجْهد نَفْسَه للتخلص من سبَاتٍ منقطع شبيهٍ بغيبوبةِ أحلامِ اليقظة.
وفي نفس المنحى، وحين تتوفر الفرصة لياسف سعدي لِلَفت أنظاره عن التركيز نحو زهرة ظريف، ليَنْضم بدوره إلى الجمع سالف الذكر، حيثُ يجْزِم بلهْجَة الواثق، بأن أكبر وجوه العفج شهرةً ألا وهو خالد نزار، ما هو إلا جاسوس مندّس داخل الصفوف يعمل لصالح فرنسا .
هــذِه الادعـاءات كلّها فنّــدها الشاذلي بن جديد .. بالطارف يوم 27 نوفمبر 2008 وهذا خـلال ملتقى حول حياة ونضال عمارة بوقلاز.
لقد قَـال الرَئيس السابق صراحة إنه يعلم بأن نزّار كان في خدمة الباءات الثلاثة، وبمنطق بسيط الكل يعرف بأن هؤلاء كانوا القادة الأساسيين للثورة، ويشكلون مثلثا حاد الزوايا والذي ألحق أضرارا بالغة، وصلت إلى حد إفشال المناورات الفرنسية الرامية إلى فرض سياسة الأمر الواقع .
وللتمعن أكثــر في شَرْح الظاهـرة، علينا العودة إلى سنتي 1958 و1959 لنغــوص هُنَـيْهَةً في الأجواء السائدة آنذاك داخل معسكرات جيش التحرير الوطني .
حيث أن في نهاية 1960 وجهت التهم إلى كريم بلقاسم ورئيس ديوانه مولود إيدير بأن من وراء احتضانهم للعفج أهداف سلطوية الغرض منها التحضير للاستيلاء على الحكم مستقبلا .
و لِغَرَابَةِ الأحْدَاث أنَّ مِنْ بينِ مُنتقديهم والذين سَعَوْا لإزاحتهم، هم أنفسهم تَوَّاقـــون لتحقيق ما انتقدُوا عليه غيرهم، وعلى رأس هذه الفئة هواري بومدين الذي استعمل العفج لتأطير وحداته والمضيّ بها قُدُمًا نحو العاصمة بعد أن تخلّص من كُلّ منافسيه.
وعلى حسب الاعتقاد فإن هذه الشائعات تمّ ترويجها لاسْتقطاب رِضَا بعض أعضاء الحكومة المؤقتة، أو الأركان العامة ومصدرها علي منجلي الذي ينعتوه بأنه يتربع على رأس المعارضة التي تقف ضد سيطرة العنصر البربري على الثورة، وهو ادّعـَــاءٌ فارغ المحتوى إذا أخذنا بعين الاعتبار الظروف السياسية والعسكرية السائدة آنذاك …
يعتبر عبد الحميد الإبراهيمي الرئيس الفعلي للنواة الصلبة للجماعة التي تُعارض العفج، وكان مُؤيِّدُه من خريجي الأكاديميات العسكرية المشرقية، وقلّة منهم فقط تَتحَاشَى الدخول في هذا الصراع.
أمّا الفارق الأساسي بين المعارضين والعفـج، هو أنّ هؤلاء الآخرين متخرّجون من أكاديميـات غربية، واختـاروا العسكرية كمســار مهني لـهم، والتزمـوا بالانضباط إلى أقصى حد، والوفاء لمن يقودهم، وقدّسوا العمل الجاد إلى أبعد الحدود.
رُبّمَــا كلّ هـــذِه الأمور زادت الطين بلّة وأفاضت كأس الحسد والغيرة لدى خصومهم، رغم أنّ هدفهم الأسمى كان تحرير الجزائر من أسر العبودية.
وكان هواري بومدين المعروف بطموحه وواقعيته أول من استفاد من خدمات هؤلاء، لكي يبني بهم أسس الدولة التي كان يتصوّر وجودها.
شـوط المقــاتــل
بين سَنَوات 1958 و1961 … تميّز مركز التدريب “لواد ملاّق” بالصرامة القسْوى في تحضير مقاتلين أشداء، لاستكمَال التِعْدَاد الناقص بالولايات المكافحة داخل الوطن .
وكان رَئيس الجَوْق في كلّ هذا هو المرحوم عبد المومن، حيث شرع قــائد مركزه المجاهد موسى حواسنية (رحمه الله) للتدخل من حين إلى آخر للتخفيف من حدّة التكوين، عطفًــا ورحمةً بالمُستجدين الذين التحقوا حديثا بالصفوف.
وعلَى مِثْـل ذلك تميّز خالد نزّار بشدّة تدريب مقاتليه، على اجتياز كل حواجز شوط المقاتل بامتياز..
أيَجِبُ أنْ يُحاسب القادة السابقين، لأنّهُمْ لقّـنوا المتربصين كيفية الرّمي الصحيح واستعمال تضاريس الميدان بصفة قتــالية احترافية؟
أكُلُّ عَمَلٍ يصبو إلى رفع درجة التدريب إلى مستواه الأعلى، وكل تلقين للانضباط والصرامة يترجم من طرف بعض المغرضين على أنها محاولات دنيئة لفصل الضباط عن الجنود؟ وكسر الثّقَة التي توّلدت بينهما حين كانوا في مواجهة جحافـل العدو بداخل الوطن!!؟
والجدير بالذكـر، أنه حتى قرار تغيير الوضعية للأفراد دون استشارتهم، يعتبر من طرف المندسّين بين “المشارقة” مناورات مشبوهة، وكأنه لُزُومٌ على القيادة أن تستشيرَ كُلَّ جندي قبل أن تتّخذ أي إجراء يخصّ توظيفه لصالح المصلحة العامة !!
يعتبر كريم بلقاسم غير محظوظٍ بتاتــاً، كوْنه يتباهى ببعث وحدات متناسقة عن طريق مزج أفراد من شتى مناطق الوطن، للقضاء الكلي على روح القبلية والعصبية غير المستحبّة في القوات المسلّحة، والتي تؤدي إلى انفجارها وانشطارها.
كل هذا العمل الجَبَّار، كان كـريم يصبو من ورائه لمواجهة جيش العدو المدرّب والمُدَجّج بكافة أنواع الأسلحة .
إلا أن الدّعاية المُعرّضة لفصيل من الضبّاط، من شأنها أن تحوّل إلى العدم كل مجهوداته، ومما زاد الطين بلّة تمرّد عثمان سعدي وحمّا لولو وعلي حمبلي، والذي من دون شك له أسباب موضوعية أخرى، تمّ استغلالها من طرف هؤلاء لتوظيفها في حملات تشويه تستهدف كريم بلقاسم ونوابه.
إن ما يعاب على محمدي السعيد، المدعو الكولونيل “سي ناصر”، أنه كان بعيدا كلّ البعــد عن الواقع الميداني لمّا أسندت له قيادة الناحية العملياتية الشرقية.
وكان له من الحكمة بمكان، لو عالج قضية تمرّد علي حنبلي بجبل الشعانبي وكذا آخرين..بتكليف مجاهدين قدماء مثلهم للتواصل معهم، والذين لو مُنِحُوا مزيدًا من الوقت لتَمَكنوا من إقناع المتمرّدين إلى الرجوع إلى جادة الصواب.
إلا أنه وللأسف كلّف ضباطا من العفج والذين لا ينكرون ماضيهم في الجيش الفرنسي، كون لا وجود لأي سبب مخجل ليتنصّلوا منه .
إنّ الطاهــر زبيري والزين نوبلي والرائد عزّ الدين كانوا قادرين على النجاح في المهمة لو أوكلت إليهم.
وهذا ما لا يلّمع البتة من صورة عفج فــافــا، بل زاد عداءً في صفوف أعدائهم، خصوصًا وأن البّعض أصبح جلاّدًا أو استئصاليًــا ضّد من كان ينعته بالأمس بالعمــالة .
ولا يفوتني أن أذكر للتاريخ أن علي حنبلي تمّ دفــعه للاستسلام للعدو، وأثبت عدم خيانته للجزائر، حيث حاول الفرنسيون التشهير به في الأسواق، حيث رفض التعامل معهم وكان يصرخ بأعلى صوته في وجه المتسوّقين أن لا يغرنكم أحد، بأنني خائن لمّا سلّمت نفسي، ولكن “لتحيا الجزائر.. لتحيا الجزائر”. وهذا ما دفع رجال العدو بتصفيته جسديا.. حيث لم يجدوا فيه أي منفعة تخدمهم.
…يتبع