هكذا يصوم سكّان الجنوب الجزائري تحت حرارة تناهز الـ 50 درجة
دخل الجنوب الجزائري مع بداية شهر جويلية حالة من السبات العميق؛ لا شيء يتحرك في عدة ولايات، الوزراء امتنعوا عن الذهاب إلى الجنوب إلا في أضيق نطاق، لكن منذ بداية شهر رمضان صار السبات العميق حالة قريبة من الموت.. كل شي مغلق تقريبا والأمور كلها مؤجلة إلى ما بعد رمضان.
وبالرغم من الحرارة الشديدة والعطش والتعب وحالات الإغماء التي تتوافد على مستشفى المدينة فإن ناس عين صالح يصومون رمضان صابرين محتسبين. ويقول بعض المواطنين الذين التقيناهم هنا بأن بعض الأسر لا تملك مكيف هواء، ورغم هذا فإنها تصوم وتصبر على العطش الشديد. وقد يصل بك العطش وأنت صائم في مدينة عين صالح، الواقعة جنوب الجزائر العاصمة على مسافة 1300 كلم، حدا لا يمكن وصفه، ذلك أن الهواء الذي تستنشقه يأتي شديد الحرارة ويساهم في تجفيف فمك وحلقك. يخيل إليك وأنت تتجول نهارا في عين صالح أنك بصدد الدخول إلى مدينة مهجورة. منظر الشوارع التي غزتها الرمال والشمس التي تلفح الجدران كئيب جدا، لا حديث للناس هنا سوى عن الحرارة والعطش وعما تبقى من أيام شهر رمضان رغم أننا كنا في بدايته أثناء تواجدنا هنالك، لا سلطة تعلو على سلطة الشمس في عين صالح، إنه الانطباع الذي ينتاب المتجول في شوارع المدينة خالية الحركة، الجميع يلتزم البيوت والمكاتب ويترك للشمس حق ممارسة سلطتها المطلقة على كل شيء.
عشرات الألوف من الأسر الجزائرية تصوم هذه الأيام تحت حرارة تفوق الـ 48 درجة في الكثير من المناطق ولا يتعلق الأمر هنا فقط بعين صالح فهنالك رڤان وآولف وأغلب مناطق ولاية أدرار.. ولكن ما هو مثير هنا في عين صالح هو أنه حتى الماء الذي تحتاجه لإطفاء العطش يأتي محملا ببعض الملوحة.
وتواجه العائلات الفقيرة والمعوزة رمضان بشيء واحد فقط هو الصبر في وقت تعجز فيه عن اقتناء جهاز تكييف للهواء وحتى في بعض الأحيان الثلاجة وعن تسديد فاتورة الكهرباء، وفي ظل أوضاع اقتصادية شديدة السوء تعيش الأسر يوميات رمضان وهي تعدّ الأيام في انتظار انخفاض درجة الحرارة.
ويتداول الشارع في الجنوب إشاعات عن تجنب كل المسؤولين المركزيين والوزراء زيارة ولايات الجنوب في شهري جويلية وأوت واليوم أضيف رمضان الذي انتقل إلى الصيف وعندما يأتي الوزراء في الصيف فإن الزيارة تقتصر على الاجتماع بالمسؤولين في قاعات مكيفة بل أكثر من هذا فإن أغلب المسؤولين المحليين يختفون عن الأنظار طيلة فصل الحرارة ويتجه بعضهم إلى ولايات الشمال لقضاء شهر على الأقل بعيدا عن الجنوب الملتهب الذي يترك أبناءه لمواجهة مصيرهم وحدهم.
شوارع مدينة عين صالح المنطقة الأكثر سخونة في الجزائر تتحوّل إلى طرق أشباح منذ الساعة الحادية عشرة صباحا، الحرارة الآن تفوق الـ 45 درجة، الريح الساخنة المحملة بالتراب تزيد في معاناة الناس، زحف الرمال يفوق كل تصور في بعض الأزقة بلغ مستوى ارتفاع التراب المترين أي بذات مستوى أسقف البيوت تقريباً يعني الخروج الآن من السيارة المكيفة أننا سنفطر ولن نتمكن من إكمال اليوم إذا تعرّضنا للحرارة الموجودة في الخارج، وداخل السيارة التي يوحي هيكلها الحار بمقدار الجحيم الموجود في الخارج، بدا منظر جنود الجيش الوطني الشعبي الموجودين في حاجز أمني عند المخرج الجنوبي لبلدة عين صالح صعبا؛ إنهم مضطرون إلى العمل على مراقبة الطريق في هذا الجو الحار وهم صائمون تحت شمس لا ترحم.
وفي داخل مدينة عين صالح، فإن يوميات الصوم في هذه الحرارة القياسية تتواصل والناس هنا يتميزون بالصبر الشديد، يقول شاب التقيناه بعد الإفطار: “قلوبنا واسعة مثل هذه الصحراء“، ويبدو أن الأمر كذلك وإلا كيف يمكن لهؤلاء تحمّل هذا الوضع الذي لا يطاق.. رغم هذا التقينا أشخاصاً يعملون في عين صالح وقد قدموا من ولايات شمالية وتعجبنا لمدى تأقلمهم مع هذه الحرارة، نحن في الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك في أسخن مكان فوق سطح الأرض تقريبا، إنها عين صالح، الحرارة تتراوح بين الـ 45 و49 في الظل، أما تحت أشعة الشمس فإن درجة الحرارة قد تتعدى الستين مئوية، لا يمكن بالمطلق البقاء تحت أشعة الشمس لمدة تزيد عن خمس دقائق وفي بعض الأماكن فإن الحرارة تصل إلى درجات لا يمكن بالمطلق وصفها، الرمال التي تقع تحت أشعة الشمس تتعدى درجة سخونتها الـ 100 درجة وهي قادرة على إذابة البلاستيك.
ساعتان قبل أذان الإفطار يصبح من العسير على أي كان تحمل المزيد من العطش، أفواهنا التهبت بالحرارة وحتى حلوقنا باتت يابسة جدا، منظر الماء فوق المائدة بدا شهيا للغاية، ولكن الدقائق تثاقلت إلى حد تصورنا معه أن الساعة الثامنة وعشر دقائق موعد الأذان لن تحل أبداً في عين صالح. لا يمكن استعمال مكيفات الهواء ذات القدرة الضعيفة والمستخدمة على نطاق واسع في الشمال لأنها تعجز عن العمل هنا بسبب الحرارة الشديدة ورغم تخفيض الحكومة لتكاليف الكهرباء في الجنوب فإن فواتير سونلغاز مازالت تقصم الظهر وتضطر العائلات الفقيرة إلى الاقتصار على تشغيل مكيفات الهواء لـ 5 ساعات على الأكثر في كل يوم هي ساعات القيلولة، 49 درجة في الظل تبدو درجة مقبولة في بعض المناطق مثل أدرار وعين صالح وبعض الجهات في ولاية ورڤلة. وتتعدى الحرارة في مناسبات عدة الـ 52 درجة. ويعني هذا أن الإقامة بدون مكيف للهواء تصبح مستحيلة ولكن بالمقابل فإن هذه الحرارة الشديدة تساهم في إنضاج المنتج من التمور وبصفة خاصة تمور الغرس وهي النوع الأكثر طلبا والأكثر انتشارا في الجنوب الجزائري.
ويتحدث الناس هنا عن رمضان المقبل الذي سيبدأ في منتصف شهر جوان بخوف شديد من الحرارة والعطش.
ويبقى الانطباع الوحيد الذي خرجنا به من عين صالح هو طيبة أهلها الشديدة وكرمهم وأخلاقهم العالية وطبق الحريرة اللذيذ وكأس الشاي الذي لا يمكن أن يغيب عن موائد سكان الصحراء.