هل بدأ الرئيس ترامب بتفكيك الولايات المتحدة؟
كَتَبْتُ بتاريخ 12 نوفمبر 2024، مقالة استشرافية في يومية الشروق اليومي، طرحت فيها سؤالاً مركزياً : « هل ترامب هو غورباتشوف الولايات المتحدة ؟ ». واليوم، ونحن نعيش مطلع عام 2026، لم يعد هذا السؤال ترفاً فكرياً، بل أصبح واقعاً نلمسه في تصدعات البيت الأبيض الذي بدأ يتفكك من الداخل. إن التشابه بين ميخائيل غورباتشوف، الذي أطلق « البيروستوريكا » لإنقاذ الإتحاد السوفيتي فهدمه، وبين دونالد ترامب الذي أطلق شعاري « أميركا أولا » و « ماغا MEGA » أي جعل امريكا عظيمة مرة أخرى، ففتت الإتحاد الإمريكي، وبات هذا الإتحاد مذهلاً ومخيفاً في آن واحد.
فبإسم « ماغا » يقوم الرئيس ترامب ومعه بطانته بتفكيك المؤسسات بإسم الإصلاح. فمنذ مطلع عام 2025، بدأت إدارة ترامب الثانية في تنفيذ « إعادة الهيكلة » شاملة للدولة الفيدرالية، وبدلاً من تقوية المؤسسات، قام ترامب بشخصنة السلطة وضرب عرض الحائط كل القوانين الدستورية. فمن خلال تعيين الموالين له في مفاصل الجيش والمخابرات، أفرغ ترامب « الدولة العميقة » من كفاءاتها، مما خلق فراغاً إدارياً وأمنياً يذكرنا بالأيام الأخيرة لموسكو قبل السقوط.
فكما وصفته ابنة اخيه الدكتورة ماري ترامب بالنرجسي، فإن الرئيس ترامب يتعامل مع الولايات في الداخل والدول في الخارج كمرقي عقاري. فمحاولته الإستلاء على غرينلاندا بالقوة في الأول ثم بالضغط (مداخلته في منتذى دايفوس بسويسرا 21 يناير 2026)، جعلت العالم ينظر الى واشنطن لا كقوة عظمى، بل كـ »مرقي عقاري » متمرد على القانون الدولي.
فالتفكيك الجغرافي للولايات المتحدة والذي حذرت منه في مقالتي السابقة، بدأ يتبلور في حركة « تيكسيت TEXIT » أي خروج ولاية تكساس من الاتحاد وكان المرة الأولى في عام 1869. ففي يناير 2026، وصلت المواجهة بين الحرس الوطني لولاية تكساس والقوات الفيدرالية إلى طريق مسدود، حيث رفضت ولاية تكساس والغنية بالنفط الانصياع لأوامر واشنطن الديكتاتورية.
كما أن الأمر لم يتوقف في ولاية تكساس فقط، بل انتقل الى ولايات اخرى منها ولاية كاليفورينا « كول إكسيت CALEXIT » وكان في 2016، ولاية ألاسكا، وولايتي اوريغون وواشنطن في الشمال الغربي. أما نيويورك، وهي مسقط رأس الرئيس ترامب، وفيها توجد اغلب ثروته. حيث تم انتخاب عمدة جديد يحمل كل الصفات التي يحاربها الرئيس ترامب، فهو يساري مهاجر ومسلم ومناصر للقضية الفلسطينية ومتحصل على الجنسية إلا منذ 2018. حيث تحولت أكبر مدينة في الولايات المتحدة الامريكية إلى معقل للمقاومة. فالعمدة الجديد زهران ممداني أعلن صراحة أن نيويورك لن تنفذ قرارات الترحيل الفيدرالية، مما دفع ترامب للتهديد باعتقاله وحجب التمويل عن المدينة. هذا التمزق بين المركز والولايات هو المسمار الأخير في نعش الإتحاد الذي دام قرنين ونصف من 1776-2026.
كما أن عملية اختطاف « مجلس السلام »، من الهيئة الأممية مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث ان مجلس السلام انشأ بقرار 2803. قلت اختطاف « مجلس السلام » من طرف الرئيس ترامب، ومحاولة الاستفراد به، سيزيد من عزل الولايات المتحدة الامريكية تماماً. فاغلب الدول الـ13 التي صوتت على انشاء هذا المجلس على مستوى مجلس الأمن، ادركت أن المجلس تم اختطافه، وهذا شبيه الى حد كبير بإختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو في مطلع هذا العام.
ولأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، يواجه تنظيم كأس العالم 2026، والذي تفصلنا عنه اشهر معدودة خطر التأجيل لأجل غير مسمى. فهذه البطولة هي منظمة من طرف ثلاثة دول وهي كندا والولايات المتحدة والمكسيك. وبعد التهديدات التي وجهها الرئيس ترامب الى جيرانه كندا والمكسيك، وبعد الخطاب الناري للجانب الكندي في دافوس بتاريخ 21 يناير 2026 حيث عكس حقيقة أن كندا والمكسيك لم تعودا تأمنان الجار الأمريكي. ومع تصاعد دعوات الخلاف بين الرئيس ترامب ودول عديدة خاصة الاوروبية، أصبح تنظيم بطولة العالم لكرة القدم 2026 من رابع المستاحيلات، ورمزاً للفشل الإمبريالي، بدلاً من أن تكون جسراً للسلام.
فبينما تنشغل الولايات المتحدة بـ « الفوضى الخلاقة » في شوارعها، تقود كتلة البريكس بزعامة الصين وروسيا نظاماً عالمياً بديلاً. ففشل الرئيس ترامب في إقناع شركات النفط بالذهاب الى فنزويلا المحتلة والاستثمار هناك يعكس فقدان القوة الاقتصادية الامريكية. فالعالم اليوم في 2026 يتجه نحو العملات المحلية والتحالفات الإقليمية، تاركاً واشنطن تغرق في ديونها وانقساماتها العرقية والأيديولوجية.
واليوم والولايات المتحدة تستعد للإحتفال بمرور 250 عاماً من تأسيسها، هاهي الولايات المتحدة تصل الى نهاية دورتها التاريخية. والفرق بين سقوط الاتحاد السوفيتي وسقوط الولايات المتحدة، هو أن الأولى خلفتها « روسيا الفيدرالية » بينما الولايات المتحدة تتجه لتصبح « خريطة ممزقة » واحتمال العودة الى ولايات متناحرة مثلما كانت في السابق.
هذه الخلاصة مبنية على عدة حقائق علمية من التطور الثقافي والتاريخ الكمي (وهو الاعتماد على الاعداد والاحصاء في تفسير الأحداث التاريخية)، وعلم الإجتماع الكلي بالاضافة الى النمذجة الرياضية (تحويل الأحداث التاريخية الى معادلات ونماذج رياضية للتنبؤ) للعمليات التاريخية على المدى الطويل، وبناء وتحليل قواعد البيانات التاريخية. ودمج كل هذه العلوم يعطينا علم جديد هو « الكليوديناميكا Cleodynamic ».
وتعتبر أعمال الدكتور بيتر تورشين، وهو روسي امريكي، ومؤسس علم الكليوديناميكا، حيث يُعد من أبرز العلماء المعاصرين الذين اعادوا إحياء وتطوير الفكر الخلدوني بإستخدام الأدوات الرياضية والبيانات الضخمة. ويعتبر مفهوم العصبية التي ابتكرها ابن خلدون الحجر الزاوي في النماذج الرياضية لبيتر تورشين. بينما وصفها ابن خلدون كرابطة اجتماعية ونفسية تمنح الجماعة القدرة على الفعل المشترك، قام تورشين بتحويلها الى متغير كمي يمكن قياسه ونمذجته رياضيا، لفهم كيفية صعود وسقوط الامبراطوريات.
كما أن نظرية الدورات التاريخية لإبن خلدون، حيث تمر دورة حياة الدول والامبراطوريات بدورة حياة طبيعية تشبه حياة الكائن الحي (ثلاثة اجيال او حوالي 120 عاماً). فتبدأ بالقوة العصبية، وتنتهي بالترف والفساد ثم الإنهيار. فتورشين استخدم الفكرة لتطوير ما يسمى «النظرية الديموغرافية الهيكلية»، وهو يرى أن التاريخ ليس خطياً بل دورياً, وان هذه الدورات والتي قد تستمر احيانا لقرون، محكومة بالتفاعل بين أعداد السكان، بنية النخبة، وقوة الدولة، وهو ما يتطابق جوهرياً مع التحليل الخلدوني لكن بصيغة «نمذجة رياضية»,
يرى تورشين ان ابن خلدون كان أول من حاول وضع “قوانين” للتاريخ، مثل علم العمران البشري. والكليودنياميكا هي المحاولة المعاصرة لإتمام مشروع ابن خلدون. يحث يقول تورشين، ان هدفه هو تحويل ملاحظات ابن خلدون الفلسفية الى توقعات علمية يمكن اختبارها بإستخدام البيانات الإحصائية والنمذجة الحاسوبية. فبيتر بورشين يعتبر نفسه خلدونياً معاصراً، فهو لم يكتف بالإعجاب بابن خلدون، بل نقل نظرياته من رفوف الفلسفة والتاريخ الى مختبرات الرياضيات والذكاء الإصطناعي.
فالعالم بتر تورشين تنبأ بهذه الإضطرابات التي نعيشها اليوم ولأول مرة في فبراير 2010، أي اكثر من 15 عاماً. وقد نشر في المجلة العلمية المرموقة نايتر (Nature)، حيث رد على استطلاع حول توقعات العلماء للعقد القادم، في الوقت الذي كان فيه الجميع متفائلين، كتب تورشين وقتها، « فإن العقد القادم (2010-2020) من المرجح أن يكون فترة عدم الإستقرار المتزايد في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.»
وفي دراسة أعمق نشرها عام 2012 في Journal of Peace Research، استخدم نماذج رياضية لتحليل 1600 حادثة عنف سياسي في التاريخ الأمريكي, أكدت هذه النماذج وجود دورات عنف تتكرر كل 50 عاماً تقريباً (1870-1920-1970)، وبناء عليه توقع تورشين أن تبدا موجة الإضطرابات الكبرى في عام 2020.
وفي كتابه الأخير 2023، نهاية الأزمنة (End Times)، يرى تورشين أن العوامل التي بدأت في 2020 مثل جائحة كوفيد -19، والاستقطاب السياسي، وتضخم النخب، لم تُحل بل تفاقمت وبما أن عام 2024 شهد انتخابات مفصلية، فإن عام 2026 يمثل في حساباته الرياضية نقطة التراكم الأقصى للضغوط الهيكلية، حيث تبدأ النتائج الإجتماعية والسياسية لتلك الضغوط في الظهور بشكلها الأكثر حدة.
من المهم ملاحظة أن تورشين يرفض وصفه بـ “العراف”. هو يقول إن عام 2026 هو توقع مبني على نموذج رياضي (Political Stress Index) يقيس الضغط السياسي. تماماً كالأرصاد الجوي؛ هو يرى “عاصفة” تقترب بناءً على الضغط الجوي، لكنه يؤمن أن التحرك السياسي الواعي (مثل تقليل التفاوت الطبقي) يمكن أن يغير هذه النتيجة.
ولكن وجود الرئيس ترامب على رأس الولايات المتحدة، بعقليته السطحية ونرجسيته، لم يكن سوى المحفز الكيميائي الذي سيسرّع في تفاعل التفكك. وأن الرئيس ترامب سيكتب الفصل الأخير من تاريخ « الولايات المتحدة »، هذا إن بقي في السلطة الى غاية نهاية عهدته !…