هل تتخلى أمريكا عن إسرائيل؟
أعرف أنه قبل هذا السؤال لابد من الإجابة على أسئلة عديدة..ولكن يبدو أن الزمن القصير الفائت أثبت أن إسرائيل فقط أداة أمريكية تؤدي وظائف إستراتيجية لخدمة المشروع الامبريالي الأمريكي.. وبإشارة إلى ذلك يمكن الالتفات إلى منع إسرائيل من الرد على صواريخ العراق ولجمها عن محاولة ضرب منشآت إيرانية حيوية.
لا أريد أن أشغل القراء كثيرا بضحد القول بأن اللوبيات اليهودية متمكنة من القرار الأمريكي وأن صانع القرار الأمريكي خاضع لها..فمثل هذا القول القديم يفتقد القدرة على سبر غور المشروع الأمريكي، وهو في الحين نفسه لا يدرك مواقف اليهود الأمريكان ولا يعرف أن أكثر من 70 بالمائة منهم لا يهتموا بالشأن الإسرائيلي وأن أكثر من 50 بالمائة لا يهمهم فيما لو تم تفكيك إسرائيل.
إسرائيل قاعدة متقدمة وخطيرة وتوفر للأمريكان حضورا ضروريا في المشرق العربي..ولكنها مكلفة جدا..ليس فقط في حجم الدعم المادي الواسع لأن هذا الدعم ليس مجانا بل هو أقل بكثير من مستحقات هذه القاعدة الإستراتيجية لهم..ولكنها مكلفة جدا على المقياس الإستراتيجية في مجالاتها الأمنية والسياسية بالنظر إلى التطورات الحاصلة في المنطقة وتنامي قوى إقليمية يمكن أن تلعب أدوارا دولية مسؤولة، لاسيما وذلك يتساوق مع استعادة الروس لمكانتهم الدولية، بحيث أصبحوا يمثلون من جديد قطبا دوليا حاسما في المؤسسات الدولية والنزاعات المحلية.
تتكئ السياسة الأمريكية الراهنة على دولتين في المشرق العربي على المملكة السعودية وعلى إسرائيل وتدرك الادارة الأمريكية والإستراتيجيون الأمريكان أن كلا الكيانين يعاني أزمة بنيوية حادة، وأنه ضد منطق التاريخ والجغرافيا وأنه يضرب في العمق بحقوق الإنسان ولذا ينبغي على الأمريكان أن يقدمان العون المستمر لهما من جهة وأن يدخلا في خصومة تاريخية مع شعوب المنطقة ودولها ويقرضان حالة عداء مستفحلة مع قوتين إقليميتين آخذتين في التبلور هما إيران التي قطعت شوطا بعيدا في التموقع الإقليمي، بل والتطلع لدور دولي وتركيا التي رغم وجودها في الحلف الأطلسي إلا أنها تحاول الانشغال بالمسألة العربية والمقاربة في الموضوع الفلسطيني..
سيكون على أمريكا أن تختار صراعا دائما أخذا في التطور والتوسع ممثلا في الاشتباك مع إيران وقوى المقاومة، والتي ستجد دول إقليمية نفسها محسوبة عليها ومع تركيا التي تكتنز موقفا غير راض عن الانحياز الأمريكي لإسرائيل وللمكونات غير الديمقراطية في المنطقة..على أمريكا أن تختار هذا الصراع الدامي المتواصل أو أن تختار الاقتراب من هاتين الكتلتين الكبيرتين من خلال علاقات اقتصادية وسياسية جبارة تقطع من خلالها الطريق على الروس والصين النشطاء في الدخول على خط حماية الدول والبلدان أمام محاولات أمريكا الفاشلة.
إن الثمن بوضوح يكمن في التخلي عن الانحياز الأمريكي المكلف جدا لإسرائيل والتخلي عن الدفاع الأمريكي عن الأنظمة الوراثية المستبدة في المنطقة..فهل هذا ممكن؟ إنه ممكن بلا شك وذلك عندما نعلم أن صناع القرار الأمريكي يستندون إلى مؤسسة التصنيع العسكري والشركات العملاقة التي لا دين لها ولا أصدقاء إنما هو الربح والربح والربح..ولكن لابد أن تمتلئ هذه الفئة المتحكمة يقينا بأن إنحياز أمريكا لإسرائيل يكلفها خسارات فادحة، وأنها إذا اختارت البديل فإنها ستتوسع ثرواتها وتتمدد علاقاتها إلى كل المنطقة وأن مصالحها لن تكون مهددة.
وهذا يستدعي موقفا عربيا إسلاميا يأخذ في الحسبان قراءة للتطورات الإقليمية والدولية الجديدة فنحن في مرحلة متقدمة وقد أنجزنا إنجازات استراتيجية.