-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هل سيخطئ “مجلس الأمن” مرة أخرى في الصحراء الغربية؟

حمدي يحظيه
  • 329
  • 0
هل سيخطئ “مجلس الأمن” مرة أخرى في الصحراء الغربية؟

أولا: مسودة أكثر تطرفا من مسودة العام الماضي

المسودة صفر، التي عرضتها حاملة القلم هذا العام (2026) تشبه نسخة مسودة العام الماضي (2025)، للقرار 2797 من حيث كثرة المهازل سوى على مستوى الصياغة اللغوية والمحتوى، ومن يقرأها يكاد يجزم أن من كتب المسودة صفر الماضية هو الذي كتب هذه المسودة المليئة بالأخطاء والثغرات. وثيقة ركيكة جوهريا وغير متماسكة لا قانونيا ولا لغويا، ولا ترقى إلى مستوى وثيقة محترمة يمكن تقديمها لمجلس الأمن أو تكون وثيقة من وثائق الأمم المتحدة المعتمدة، وبكل تأكيد أن من حررها ليس بمستوى محام ولا رجل قانون أو موثق. الفرق الوحيد بين المسودتين أن الحالية أكثر تطرفا وأكثر انحيازا للمغرب من الماضية، وهو ما سيوتر الوضع أكثر.

ثانيا: ملاحظات على سلوك حامل القلم والوسيط في نفس الوقت

من يقرأ الوثيقة لا يخامره شك أن من حررها، بسبب انحيازها الفاضح للمغرب، كان يجلس مع السفير المغربي، وهذا الأخير يملي عليه ما يكتب. إن حامل القلم، أو الولايات المتحدة تحديدا، تأتي إلى هذه المحطة من معالجة القضية الصحراوية وهي محبطة ومأزومة، وتلاحقها انتقادات شديدة منها مثلا أنها فشلت في تطبيق القرار 2797 للعام الماضي الذي تكلفت بتطبيقه؛ وأنها عملت في الخفاء مثلما كشفت الصحافة الإسبانية (El Confidencial، الصادرة يوم 21 أكتوبر 2026) أنها ضغطت على إسبانيا كي تمنح للصحراويين الجنسية الإسبانية، من أجل “حل النزاع وحل المشكلة نهائيا”، لأن من شأن تجنيس الصحراويين أن يفرغ المخيمات الصحراوية من سكانها، وبذلك تُحل المشكلة؛ تأتي أيضا وهي منحازة ومتورطة في دعم الحكم الذاتي غير الشرعي. كل هذه العوامل تقلل من قيمة ومصداقية أي وثيقة أو أي عمل تقوم به الولايات المتحدة الأمريكية كحامل قلم وكوسيط.

ثالثا: ملاحظات جوهرية

جوهر مسودة القرار كارثي، أكثر تطرفا من القرار الماضي، مليء بالتناقضات أيضا، وهو ما يوحي أن محرريه ليسوا مختصين. الفقرتان 6 و9 تنصان على أن “الحكم الذاتي في ظل السيادة المغربية هو الحل الوحيد الممكن”، و”أن المقترح المغربي يشكّل الأساس الوحيد للمفاوضات”. على ماذا سيتم التفاوض إذا كان القرار يفرض، مسبقا، حلا معينا اقترحه أحد الأطراف؟ أم أن التفاوض يعني، حسب المسودة والتفكير الأمريكي، التوقيع فقط والقبول؟ إن محاولة فرض حل خارج الإطار الأممي في قرار لمجلس الأمن هو نسف للعملية السلمية من جذورها وتجاوز للمقاربة الأممية التي ثبتت تقرير المصير وتصفية الاستعمار كممر إجباري لحل القضية الصحراوية.

النقاط الأخرى “المهمة” التي تركز عليها المسودة تتعلق بمهام بعثة المينورسو لتتظيم الاستفتاء. في الفقرة المقترحة الأولى، نجد الدعوة صراحة إلى تغيير اسم بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، وحذف كلمة “الاستفتاء” من اسمها لتصبح ملقبة بـ”بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية” فقط. إن محاولة نزع مصطلح “الاستفتاء” من اسم البعثة يدخل في إطار إستراتيجية مكشوفة تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات، ونجحت من خلالها من نزع نفس المصطلح -الاستفتاء- من قرارات مجلس الأمن.

أكثر من ذلك، تنص الفقرتان الثانية والرابعة على خفض تعدادها العسكري إلى النصف بحلول جانفي 2027، وإنهاء مهامها كبعثة لحفظ السلام في أفريل 2027، وتحويلها إلى مجرد بعثة سياسية خاصة.

رابعا: البوليساريو تقطع خطوة في رفض ما يمليه حامل القلم

لقد صبرت البوليساريو طويلا على تلكؤ حاملة القلم أو الولايات المتحدة، وعلى ارتباكها، وسايرتها فربما تعود إلى مسطرة القانون الدولي وتفرض حلا يتفق مع الشرعية الدولية، لكن يبدو أن العكس هو الذي حدث، وأن الولايات المتحدة ماضية في تكريس الانحراف، والعبث بكل ما كرسته الأمم المتحدة على مدى ستين سنة في قضية الصحراء الغربية. في رسالة إلى رئاسة مجلس الأمن، عبرت البوليساريو عن رفضها لمسودة القرار، وهددت بنفض يدها من المسرحية الهزلية برمتها. كتبت البوليساريو في رسالتها إلى رئيس مجلس الأمن تقول: “وبناء عليه، تؤكد جبهة البوليساريو أن مضمون المسودة الأولية لا يمكن أن يشكل أساساً لأي مداولات حول بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو) أو عملية السلام في الصحراء الغربية، وأنه في حال اعتماد هذه المسودة الأولية من دون إجراء تغييرات جوهرية وهادفة، فلن يكون أمام جبهة البوليساريو خيار سوى الانسحاب من عملية السلام برمتها”.

خامسا: ورطة مجلس الأمن

حسب التسريبات الأولى، هناك أعضاء في مجلس الأمن غير راضيين عن عبث الولايات المتحدة الأمريكية المستمر بالقانون الدولي وبهذه القضية، وقلقون من التلاعب بالمجلس بهذه الطريقة الهزلية. في العام الماضي، أُعطيت فرصة مهمة لتنفيذ القرار 2797، وتوعدت الولايات المتحدة بتطبيقه، لكن بعد سنة تعود خاوية الوفاض وتبدأ من جديد تدور في الحلقة المفرغة نفسها. المفروض الآن أن مجلس الأمن يأخذ بزمام المبادرة ويتقدم في طريق الحل، ويتجاوز المقاربة الفاشلة التي تصر عليها الولايات المتحدة على البقاء في إطارها والدوران في حلقتها المفرغة خاصة ما تعلق منها بالحكم الذاتي. وجد مجلس الأمن نفسه في ورطة أدخلته فيها الولايات المتحدة. هل سيناقش من جديد ما ناقشه العام الماضي، ويخرج بنفس النتيجة ونفس القرار أم يبحث عن مقاربة أخرى تحافظ على القانون الدولي؟ المنطقي والبديهي أن تحدث ثورة في المجلس تقضي على هذه الكارثة التي تريد الولايات المتحدة فرضها.

أخيرا: هل سنشهد قرارا مشابها لقرار العام الماضي؟

بكل يقين أن المسودة صفر لن تمر بهذه الطريقة الفجة، وستتجه الأنظار إلى التعديلات التي قد تتقدم بها روسيا والصين، والتي قد لا تتجاوز الحفاظ على أدنى مستوى من التمسك بالقانون الدولي متمثلا في الإبقاء على تقرير المصير حيا، والإبقاء على بعثة المينورسو كما هي من دون المساس بمهامها عكس ما تريد الولايات المتحدة. إذن، لا يُستبعد أن نرى قرارا شبيها بالقرار 2797 الذي صدر العام الماضي، بحيث يتم الإبقاء على تقرير المصير حيا، ويتم تجديد عمل بعثة المينورسو والدعوة إلى المزيد من المفاوضات تحت إشراف الأمم المتحدة وليست تحت إشراف الولايات المتحدة، وتمتنع الصين وروسيا عن التصويت.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!