هل للإصلاح التربوي أسس؟!
إن كل من يتصفح المناهج الجديدة والوثيقة المرافِقة ودليل المعلم من السنة الأولى إلى السنة الخامسة الابتدائية، يخرج بفكرة واحدة تتمثل في اعتمادها على الإجْمال والغموض، لا التفصيل والوضوح. وهذا المسعى لا يساعد المعلم على استغلالها والاعتماد عليها في تحضير وتقديم وتقويم الدروس…
أضف إلى هذا اعتماد الإصلاح التربوي عندنا على “المقاربة بالكفاءات” كمصطلح جديد مبهم وغامض، لأن المشرفين على هذا الإصلاح عجزوا عن توظيف هذه المقاربة بأسلوب عملي يستطيع المعلم توظيفه في نشاطه اليومي. وهذا دليلٌ قاطع على أن مُعدّي المناهج لم يراعوا واقع المدرسة الجزائرية ومستوى المشرفين على العملية التعليمية ـ التعلمية وخبراتهم في الميدان من معلمين ومديرين ومفتشين من جهة، ولم يوضّحوا المقاربة التي جاؤوا بها كعصا سحرية للإصلاح التربوي من جهة ثانية. في حين كان عليهم أن يهتموا بالتكوين الوظيفي الذي يشمل التربية العامة، والتربية الخاصة، وعلم النفس التربوي، وعلم النفس الطفل والمراهق، وتقنيات ومهارات تحضير وتقديم وتقويم الدروس، لأن المعلم هو المحور الأساسي، والعمود الفقري لكل منظومة تربوية، ومن دونه لا ينجح إصلاح، ولا يرتفع مستوى، ولا تتطور مدرسة.
ولكن بعض المتسرعين الجاهلين لواقع المدرسة الجزائرية يرون أن معظم المعلمين في المدارس الابتدائية من خريجي الجامعات، وهذا – حسب معلوماتهم– كافٍ لمعلم الابتدائي!
هذه مغالطة لا يقرها عاقل، ولا يصدقها واقع، لأن معلمي المدرسة الابتدائية يعلّمون الرياضيات، واللغة، والتاريخ والجغرافيا، والتربية العلمية والتكنولوجية، أي الفيزياء والكيمياء والعلوم… فهل الشهادة الجامعية تؤهلهم لهذا كله؟!… فإذا كان مختصا في الرياضيات فإنه يجد صعوبة في الأنشطة الباقية.
أضف إلى هذا، أن للعملية التعليمية ـ التعلمية تقنيات ومهارات ومعارف وخبرات خاصة بها لا يعرفها خريجو الجامعات مهما كان مستواهم، ولهذا ينبغي بل يجب تكوينهم تكوينا وظيفيا، لأن المعلم الذي لا يعرف طبيعة المتعلم ومستواه العقلي والمعرفي، ولا يعرف النشاط وطرائق تحضيره وتقديمه وتقويمه، ولا يعرف تقنيات ومهارات التدريس الصفي، ولا يحسن استغلال الوسائل التعليمية من سبورة، وكتاب، وصور، وخرائط… لا ينجح في مسعاه مهما بذل من جهود، لأن التعليم صنعة (مهنة) لها أسس وتقنيات ومهارات ينبغي اكتسابها عن طريق التكوين الوظيفي، لا التكوين العلمي، مع العلم أن إهمال التكوين الوظيفي أدى إلى ظهور إشكالية التدريس في المدرسة الجزائرية.. إشكالية سأتعرض إليها لاحقاً.
* مفتش التربية والتعليم الابتدائي سابقا