-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

هلاك الرسام السويديّ.. حادث عاديّ أم نكال إلهيّ؟

سلطان بركاني
  • 868
  • 0
هلاك الرسام السويديّ.. حادث عاديّ أم نكال إلهيّ؟

في إثر هلاك رسّام الكاريكاتير السويديّ “لارش فيلكس” الذي اشتهر -ويا لها من شهرة!- برسوماته المسيئة للنبيّ محمّد صلّى الله عليه وسلّم، التي نشرت على صفحات جريدة “نيريكس اليهاندا” السويدية في العام 2007م؛ أثير نقاش حول ما إذا كانت حادثة هلاكه عقوبة من الله وانتقاما لنبيه الكريم ممّن تطاول عليه واستهزأ به، تحقيقا لقوله سبحانه ((إنّا كفيناك المستهزئين))، أم إنّ الأمر لا يعدو أن يكون حادثا عرضيًّا ونهاية يمكن أن يتعرّض لمثلها مسلم يحبّ المصطفى عليه الصّلاة والسّلام ويدافع عنه.

في كلّ مرّة يستنكر فيها الغيورون على دينهم جرم المستهزئين بأنبياء الله، ويرفعون أكفّ الضّراعة إلى الله أن يريهم بطشه بالمتطاولين في الدّنيا قبل الآخرة، تنطلق الأصوات العلمانية تستهزئ بمن يدعون بسوء المنقلب على المستهزئين وينتظرون نكال الله بالسّاخرين، وأحسنُ هؤلاء العلمانيين حالا من يدعو المسلمين إلى الانتصار لنبيّهم -عليه الصّلاة والسّلام- بالعلم والأخلاق وليس بالدّعاء على المستهزئين بالعذاب والوبال، وهؤلاء ليسوا ملومين في بلادة مشاعرهم، لأنّ قلوبهم لم تخالطها محبة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وجهلهم بحقائق الدّين يحول بينهم وبين فهم حقيقة أنّ الانتصار لنبيّ الإسلام من شانئيه والمسيئين إليه واجب أناطه الله بعباده المسلمين حسب القدرة، فإذا عجز المسلمون أو تخلّوا عن الواجب، فإنّ الله لا يترك الشانئين، بل يذيقهم نكاله في الدنيا قبل الآخرة.. كما أنّ هؤلاء العلمانيين يتناسون حقيقة أنْ ليس كلّ النّاس يذعنون للحقّ بالبراهين العلمية أو بالأخلاق الحسنة؛ فهناك في كلّ زمان معاندون لا يكتفون بجحد الحقّ رغم وضوح دلائله، حتى يسعوا جاهدين في صدّ النّاس عنه بأخسّ وأحقر الأساليب، وهؤلاء هم يدعو المسلمون ربّهم بأن يجعلهم للنّاس آية.

في جانب آخر، يحاول العلمانيون في كلّ مرّة التشكيك في حقيقة العقوبات التي تنزل ببعض المعاندين والظّالمين، بضرب الأمثال وسوق المعارضات، فإذا هلك معاند قتلا أو حرقا أو غرقا، ورأوا المسلمين يفرحون بذلك، انطلقوا يسفّهون عقول الفرحين، ويشيرون إلى وقائع مات فيها بعض المسلمين -بينهم دعاة وعلماء- غرقا أو حرقا أو قتلا، في محاولة لإثبات أنّ ما حاق بالمستهزئين ليس عقوبات من الله، بل هو حوادث عادية!

هؤلاء المتعلمنون يغيب عن أذهانهم ويغيّبون عن ساحات النقاش حقيقة أنّ الخالق سبحانه الذي جعل هذه الدّنيا في أصلها دار امتحان لا دار جزاء، قد استثنى من هذا الأصل ما شاء، فقضى أن يعجّل للظّالم عقوبته في الدّنيا مع ما ينتظره من قصاص في الآخرة، لكنّه مع ذلك قد يعاقب ظالما بما يكون ظاهرا للنّاس ليكون عبرة، وقد يعاقبه بعقوبة باطنة لا يراها إلا أقرب النّاس إليه، وقد لا يراها أحد غير من نزلت به..

وفي المقابل قد يبتلي الله في هذه الدّنيا عبدا مؤمنا بألوان من الابتلاءات ليرفع درجته في دار الخلود، فقد يمرض مرضا مزمنا وقد يموت ميتة عسيرة.. فليس يصحّ بعد هذا أن تقارَن خاتمة رجل عُرف بمعاداته لله ولدينه ورسوله، بخاتمة رجل أراد الله أن يكتبه في شهداء الآخرة فختم له بالغرق أو الحرق أو الموت تحت الرّدم! ((أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُون)) (الجاثية: 21)..

وليس يصحّ -بناءً على ذلك- أن يُستدلّ بقول النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “الشّهادة سبع سوى القتل في سبيل اللّه: المطعونُ شهيدٌ، والغرِقُ شهيد، وصاحب ذات الجَنبِ شهيدٌ، والمبطون شهيدٌ، وصاحب الحرِيق شهيدٌ، والّذي يموت تحت الهدم شهيدٌ، والمرأة تموت بجمعٍ شهيد” (الموطأ وسنن أبي داود)، لمحاولة التّشكيك في كون نهاية رسام الكاريكاتير السويديّ “فيلكس” آية من آيات الله في الانتقام لنبيّه -عليه الصّلاة والسّلام- من المستهزئين به، لأنّ الحديث يخصّ المؤمن الذي يؤمن بالله والدّار الآخرة ويتمنّى الشّهادة لكنّه لم تتح له الفرصة لينالها، أمّا الكافر ومن باب أولى المحارب لدين الله، فلا حظّ له من هذا الحديث، وهكذا من مات -مثلا- ليلة الجمعة أو يومها، فلا يرجى أن يكون ذلك حسن خاتمة له إلا إذا كان من المسلمين الصّالحين، يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة، إلا وقاه الله فتنة القبر” (رواه الترمذي)، أمّا ما يزيد على 100 ألف إنسان من غير المسلمين يموتون ليلة ويوم الجمعة من كلّ أسبوع فلا يشملهم الحديث.

ما يُختم به لعبد من عباد الله ينظر فيه إلى سيرة العبد وحاله في هذه الدّنيا وما عرف به، فمن عرف عنه الصّلاح، إذا مات بحرق أو غرق أو مرض مزمن أو هدم أو مات بالطّاعون أو دفاعا عن عرضه أو ماله؛ يرجى له أن يكون موته خاتمة حسنة.. أمّا من كان كافرا بالله ورسوله أو عرف بالفجور والظّلم والفساد أو اشتهر بإصراره على جرم توعّد الله مقترفه بالانتقام في الدّنيا قبل الآخرة، فهذا إن مات بحرق أو غرق أو قتل، فإنّ الجزم بأنّ خاتمته عقوبة له وعبرة لغيره، ليس من التألّي على الله، إنّما هو من القول على الله بما قضى وسنّ.

هذه الحقيقة واضحة غاية الوضوح لمن تدبّر كلام الله وفهم سننه، ويشهد لها الحديث المعروف عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أنه دخل على أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- هو ورجل آخر، فقال لها الرجل: يا أمَّ المؤمنين حدّثينا عن الزلزلة، فقالت: “إذا استباحوا الزّنا، وشربوا الخمر، وضربوا المعازف، غار الله -عزّ وجل- في سمائه؛ فقال للأرض: تزلزلي بهم.. فإن تابوا ونزعوا وإلا هدمها عليهم”، قال: يا أم المؤمنين أعذابا لهم؟ قالت: “بل موعظة ورحمة للمؤمنين، ونكالا وعذابا وسخطا على الكافرين”.

الرسّام السويديّ سيّئ الذّكر، اقترف جرما شنيعا اتّفق على شجبه المسلمون وكافّة العقلاء من غير المسلمين، عاش بعده 14 سنة، تعرّض خلالها إلى محاولات قتل نجا منها، ولعلّه قد غرّته الحراسة التي حظي بها وظنّ أنّها مانعته ممّا ينتظره، حتّى كان الحادث الذي أخذه وأخذ معه من كانوا يحرسونه ويحوطونه، يوم الأحد الماضي (3/ 10/ 2021م)، ((وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا)).. لم يكن هذا المتطاول أوّل من يحيق به نكال الله بالشانئين والمستهزئين، فقد سبقه إلى سوء المنقلب مئات الهالكين، وسيلحق به آخرون من بعده، ((كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِين))، ومِن حقّ عباد الله المؤمنين أن يفرحوا بمصارع المعاندين والمتطاولين، ويُعرضوا بأسماعهم وقلوبهم عن المشكّكين الذين لا تغني عنهم الآيات والنّذر: ((إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيم)).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!