وجهة “فقير” بين الجزائر وفرنسا: أين الحقيقة؟
لا تزال قضية التحاق اللاعب الفرانكو-جزائري “نبيل فقير”، بمنتخب فرنسا آمال، تثير كثيرا من اللغط والتضارب حول حقيقة ما يجري، ففي وقت تشير تصريحات المعني لأكثر من وسيلة إعلام فرنسية منذ الخميس الماضي أنّه “اتخذّ قراره باللعب للديوك، ولا يصدّق نفسه من شدة الفرح باستدعائه للزرق وو..”، ارتضى والده “محمد فقير” إطلاق تصريحات مناقضة للسياق، بتشديده على أنّ “نبيل لن يلعب سوى للجزائر”، فأين هي الحقيقة؟
لا يحتمل “مسلسل” فقير أكثر من ثلاثة احتمالات، فإما أنّ المعني حسم أمره فعليا، واختار النسج على منوال مواطنيه “زين الدين زيدان”، “كمال مريام”، “سمير نصري” و”كريم بن زيمة”، ممنّيا النفس بمسيرة دولية مظفّرة تمنحه “المجد” مع الديوك، وتمكّنه من الظفر بعقود خيالية مع كبار النوادي الأوروبية على منوال ما حصل لزيدان وبن زيمة.
الاحتمال الثاني الذي يُفهم من التناقض بين تصريحاته وتصريحات والده، هو لعب “نبيل فقير” ومحيطه على الحبلين، فالشاب الناشئ الذي يبقى غضا وأغرته الأضواء التي طالته فجأة، لا يريد فيما يبدو تضييع فرنسا ولا الجزائر، ويمارس في سبيل ذلك “تكتيكا ممنهجا” عبر إطلاق تصريحات للاستهلاك في عاصمة الجن والملائكة، بالتزامن مع أخرى تحرص على استمالة الجزائريين، وهنا كارثة بكل المقاييس، لا سيما وأنّ الأمر يتعلق بمسألة انتماء ودفاع عن ألوان هذا البلد أو ذاك، وليس بالتوقيع لناد هنا أو هناك.
ثالث الاحتمالات، إنّ “فقير” واقع حاليا تحت مطرقة ضغط فرنسي رهيب، مورس من قبل على جزائريين كانوا في وضعيات مشابهة، كفيغولي وبودبوز وبراهيمي، لذا يسعى “نبيل” لتسيير هذا الظرف بذكاء، في انتظار (الإفلات) والنسج على منوال المحاربين الحاليين الذين لعبوا في آمال فرنسا، لكن كيف يمكن تفسير حديث “فقير” أمسية الاثنين عن “تطلعه لخوض أورو 2015″، وماذا لو قام المدرب المزاجي والمثير للجدل “ديديه ديشامب” بضمّ “فقير” إلى منتخب فرنسا الأول ولو لدقائق معدودات، مثلما فعل الاسباني “دال بوسكي” مع المغربي “منير الحدادي”، كيف سيكون لسان حال “فقير” حينئذ؟.
الحقيقة تتأرجح بين الاحتمالات الثلاث، مع أنّ المسألة كانت ستظهر أكثر شفافية، لو أنّ متوسط الميدان اليساري أصدر بيانا رسميا باسمه، ذكر فيه بوضوح أنّه “اختار فرنسا ولا شيئ غير فرنسا”، وليس بالكيفية التي جرى إخراجها في قالب:”الآن فرنسا، وبالنسبة للجزائر، غدا سنرى”، في معزوفة أقرب إلى “الاستهتار” وكرّست “استخفافا بمشاعر شعب كامل، وبلد يحلم الملايين بالدفاع عن ألوانه”.
يحدث كل هذا، وسط صمت رسمي مطبق في الجزائر، حيث لم يجد “محمد روراوة” رئيس الاتحاد الكروي، حاجة إلى بسط الأشياء، وقطع الطريق على أي من شأنه تطعيم “المزايدات والمناورات”، في انتظار ما سيكشف عنه الفرنسي “كريستيان غوركوف” زوال الثلاثاء.
الأهمّ من كل هذا، أن يتم إيقاف الانحراف الحاصل في التعاطي مع ملف الجزائريين المغتربين، وتوخي إستراتيجية مغايرة، فلا يجدر أن نستمر في انتظار “تكرّم” فلان أو علان – مهما كان – في قبول الانضمام إلى منتخب محاربي الصحراء، أو ترقبّ “فشل هذا النجم أو ذاك مع الديوك، حتى تلتقطه الجزائر”، هذا عيب وعار، ولا ينبغي السماح بحصوله مجددا مع ياسين بن زية، فارس بهلولي، زكرياء لعبيدي، رشيد غزال وغيرهم، بعد الذي فعله فتية كـ”رياض بودبوز”، “نبيل بن طالب”، “إسحاق بلفوضيل” رفضوا إغراءات فرنسا في عزّ شبابهم، وأتوا للدفاع عن ألوان الجزائر بكل فخر واعتزاز، على غرار أبطال خمسينات القرن الماضي الذين لم يأبهوا بمونديال السويد، واختاروا الجزائر.