-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

وردة الجزائرية.. إمارة غناء لم تُسقطها جبهات رجال!

الشروق أونلاين
  • 4081
  • 0
وردة الجزائرية.. إمارة غناء لم تُسقطها جبهات رجال!

عندما يتحدث النقاد عن المطربة الراحلة وردة الجزائرية، ينحصر ذلك غالبا في فلك نجاحاتها الخرافية وتربعها على عرش الغناء لعقود طوال وارتباط اسمها بملحنين وشعراء عظام.. لكن قلّما يتحدثون عن لحظات قاسية واجهتها امرأة عُرفت بكبريائها وشموخها.. فقد زُج بوردة ظًلما في معارك دنيئة لها ارتباط برجال أغلبهم ساسة يعانون من استبداد ذكوري.. كما طاردتها شائعات وأكاذيب قصد الإطاحة بها من إمارتها وقد كانت تلك الشعلة المتوهجة التي خطفت العقول والقلوب!

غادرت وردة وعائلتها سنة 1957 باريس مسقط رأسها في بدايات نشأتها الفنية بعد ما غنت للقضية الوطنية وحكم عليها بالإعدام من السلطات الفرنسية هي وعائلتها، فوالدها يمتلك مطعم ”التام تام” معقل ثوار جزائريين ومركز التقائهم ومخبأ أسلحتهم.. لتتجه الشابة الصغيرة إلى بيروت وتكتشف كمطربة واعدة فتُستدعى إلى هوليوود الشرق القاهرة عام 1959 لترسم أولى خطواتها على عتبة الإبداع الفني ويشركها موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب في أوبريت “الوطن الأكبر” بطلب من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر الذي لم يتوان في مصافحتها مخاطبها إياها “أهلا بالجزائر..”!

 اشتهرت وردة بسرعة وذاع صيتها، لكن لم تدم إقامة وردة في القاهرة أكثر من ثلاث سنوات، لتُرَحَّل من مصر بسبب مكيدة سياسية مدبرة، فربطت الاستخبارات المصرية ظُلماً وافتراء بينها وبين المشير عبد الحكيم عامر وزير الحربية المصري وقتها، تضررت وردة بفعل هذه الإشاعة، لتغادر مصر نحو بلدها الأم، وتعتزل الغناء وتقترن بالعسكري الجزائري جمال قصري وتنجب منه ابنيها وداد ورياض.

سنة 1972 وبعد 9 سنوات انقطاع تتلقى وردة مكالمة من الرئيس هواري بومدين، مطالبا إياها بأن تكون نجمة الاحتفال بعيد الاستقلال، لتصدح وردة بـ”من بعيد أدعوك يا أملي” من ألحان بليغ حمدي عاشقها السرمدي! وتشتعل في قلبها نشوة الغناء والعودة للإطلال على محبيها في مصر، فيخيُّرها زوجها بين الغناء أو الانفصال.. لتقرر التضحية بأسرتها ومعانقة جمهورها المتعطشة إليه وتسافر إلى القاهرة وترتبط ببليغ حمدي في نفس السنة بعد قصة حب عنيفة، وتشدو بأعذب ألحانه، مشكليْن ثنائيا وصفه النقاد بالطفرة، محققة نجاحا أحرجت به كوكب الشرق وعبد الحليم وفايزة ونجاة.. وساد القلق الوسط الفني لتخوض وردة معارك من عدة جبهات.. فلم تسلم من قلم الناقد أنيس منصور الذي لم يتوقف عن هجومها ومحاولة تثبيطها خدمة لغريمتها فايزة أحمد، كما لفق “أولاد الحلال” لها ولزوجها بليغ تهمة إفساد حفلة “قارئة الفنجان” باستئجار “بلطجية” لإثارة الشغب، وانتهى الأمر بالصلح بعد ما تبين أن صفوت الشريف وراء المشكلة..

على الجبهة السياسية ومن جديد تواجه وردة أزمة حادة تسببت في منعها من الإذاعة والتلفزيون المصري قرابة السنتين بعد غنائها في ليبيا سنة 1977 وشدوها بأغنية “وان كان الغلا ينزاد” في مدح القذافي، وهو الذي كان على خلاف مع السادات..!

سنة 1978 تتوتر العلاقة بين الجزائر ومصر بسبب معاهدة "كامب ديفيد"، ويقود بومدين جبهة التصدي للخائنين ويُزج باسم وردة في القضية وتوضع ضمن قائمة المغضوب عليهم، ظنا أنها باركت معاهدة السلام وأن وفدا يهوديا زار القاهرة التقت من خلاله وردة بالمغني أونريكو ماسياس.. لتزداد مآسي وردة وتصاب بنكسة عاطفية سنة 1979 بعد تردد أقاويل عن علاقة بليغ عاطفيا بمطربة مغربية صاعدة كان قد تبناها فنيا لتطلب وردة الطلاق.

وفي سنة 1983 يرفع الرئيس الشاذلي بن جديد الحظر عن وردة وتستدعى لإحياء عيد الثورة وتشدو بـ”عيد الكرامة” وتتكرر زيارت بعدها وتغني روائعها الوطنية وقد كانت نجمة حفلات انتصارات أكتوبر التي لا يُستغنى عنها في مصر عهد السادات ومبارك.. زوجة هذا الأخير سوزان مبارك وبسبب غيرة نسائية تتضايق من وردة بسبب تلقائيتها الشديدة على المسرح أثناء إحياء حفلات أكتوبر 1997 حينما طلبت من الرئيس بعفوية أن يغني معها.. ليصدر قرار رئاسي بمنعها من الغناء في مصر.. يحدث هذا في وقت كانت فيه وردة تتصدى في معاركها جبهة أزماتها الصحية ابتداء بعملية القلب المفتوح سنة 1996 وانتهاء بعملية زرع الكبد سنة 2001.. ليأتي التكريم الأكبر من الرئيس بوتفليقة سنة 2004 بعد إحيائها لأوبريت “مسيرة الكرامة” ويمنحها وسام الأثير نظير مسيرتها الفنية المشرفة وقد كانت الجزائر وطنا حاضرا فيها بقوة..

تلك أزمات ظلت تلاحق مطربة أجيال أسَرَت قلوب محبيها فتوجوها أميرة على عرش الغناء الذي لم تزعزعه عواصف هوجاء حركتها دناءة سياسية.. لتظل شامخة إلى أن غادرت هذا العالم جِسما في الـ17 من ماي 2012، لكن خلدها فنها في وجدان الملايين إلى الأبد..

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!