-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

وسقط مشروع الفوضى الخلاقة

صالح عوض
  • 4466
  • 0
وسقط مشروع الفوضى الخلاقة

كنا نقول إن مصير حلب سيقرِّر مصير العرب، وكنا ندرك تماما أن الإغراء الجنوني الذي أجرى لعاب المستعمرين والسلاطين وأصحاب الأجندات المدغولة لن ينال إلا الخسران وسيكون حسرة عليهم.. لقد حولوا ارض الشام المباركة إلى مسرح لعمليات القتل بكل الوسائل لتدمير كل شيء وإقامة مشروعهم الاستعماري الجديد على أنقاض سايكس – بيكو وارتفعت الرايات الطائفية والعرقية والجهوية لتمعن في تكريس المخطط الأمريكي والغربي.. إلا أنهم جميعا يعانون من نقص معرفة السنن والقوانين التي تتحكَّم في الجغرافيا السياسية والإستراتيجية للمنطقة.

لم يعرفوا ان هذه المنطقة لم تستقرّ عبر عشرة آلاف سنة الا بسيادتها وهويتها، ومر كل الغزاة من هنا مدحورين مهزومين، بل الاخطر انهم بهزيمتهم هنا انكسروا الى الابد.. لقد تدافعت عليها جيوش امبراطوريات الروم والفرس والصليبيين والمغول والفرنسيين وانهزمت جميعا وبقيت الشام هي نفسها بهويتها المتميزة: قلب العروبة النابض وراية الإسلام المجيدة ومستودع الإنسانية الفذة.

الجمهوريون والديمقراطيون اكمل بعضُهم مهمة بعضِهم الآخر على خريطة عمل تعني انتهاء التاريخ القديم وبداية تشكيل مستقبلٍ بمعطيات جديدة لتسيُّدٍ حقيقي للولايات المتحدة الامريكية على العالم في ظل انهيار الكتلة الشرقية وانكشاف الغطاء عن اكبر كتلة استراتيجية هي العالم الاسلامي.. ووصل منظرو اليمين الامريكي واليمين الجديد الى مرحلة عتوٍّ وعنجهية في الإفصاح عن مخططاتهم.. واكمل اوباما المخطط بربيع عربي مهَّد السبيل لتنفيذ ما يتبقى.

لم يكن مشروع الفوضى الخلاقة الا احد حلقات الهجوم المنظم ضد امتنا ولكنه كان الحلقة الخطيرة لانه اقتحم دائرة الوعي في نخبنا السياسية ووجَّهها في عملية مركَّبة لتدمير الذات.. وظن الأعداء انها الفرصة السانحة لإسقاط آخر معاقل المقاومة في الأمة.. فاسقطوا العراق ونصبوا عملاءهم في مقاليد الحكم، وأثاروا الفتنة الطائفية والتمزق العرقي بعنف، وزودوا المتطرفين على الجبهات المختلفة بكل دعم سري وعلني، وكان سقوط العراق يعني بوضوح كشف الغطاء عن العرب وتقدّم الهجمة الغربية خطوة استراتيجية في ترسيم المنطقة.. لقد كانت سورية والسعودية هما البلدان المرشحين للعملية القادمة، فكان البدء بسورية لتفكيك كل جغرافيا بلاد الشام على طوائف: سنة وشيعة ومسيحيين ودروز ويهود.. كما يتم استنفار العرقيات المتناثرة في الاقليم “هكذا يريدون ان يقولوا ويفعلوا” فتصبح دول الطوائف الدينية، وهكذا تتحق دولة اسرائيل اليهودية وتكون هي الاقوى والتي تقود فيما بعد الاقليم باستراتيجية جديدة اقتصادية وامنية.

لقد  كانت ملحمة سورية تقود الى مفترق طريق؛ اما الى تكريس المشروع الاستعماري الامريكي بصيغته الجديدة وانتهاء الملف الفلسطيني تماما ونشوء دويلات فسيفسائية والتحرك الغربي لكل الاقليم تفتيه والسيطرة عليه كما ان انتصار المشروع الغربي هنا يعني صياغة جديدة للعلاقات الدولية ومناطق النفوذ في العالم، وإما بانبعاث حقيقي للأمة بعناصر قُوَّة جديدة فيما لو صمدت الدولة السورية ونجحت في الحفاظ على وحدتها الترابية والسُّكانية بعيدا عن المحاصصات الطائفية والعرقية. وهنا سينجو الفلسطينيون من نكبة أخطر، وسيهنئ اللبنانيون في تعايش بعيد عن الاقتتال الطائفي، وتسلم ايران من محاولات ابتزاز والهاء ودفع في معارك ثانوية، كما ان الروس سيفوزون بتفرُّدهم بتزويد اوربا بالغاز وبحضورهم في صلب مشاهد السياسة الدولية لاسيما في منطقة مركزية.. اما الموقف الرسمي العربي المنقسم على ذاته فكان موزَّعا على الخوف والرعب من الامريكان، فيما لو حاول اسناد الدولة السورية وعلى الحرص على تقديم الولاء للمخطط الغربي كي يؤكد مجددا على تحالفه مع المنظومة الدولية الاستعمارية فيكون في منأى مستقبلي عن حرب يستهدفه.. 

وبعيدا عن قياسات الصحة والخطأ في مواقف النظام العربي الرسمي المنخرط في الحرب على سورية يجب التثبيتُ انه ليس صاحب شأن ولا مبادرة إنما هو انعكاسٌ لتوجُّهاتٍ غربية استعمارية.. صحيحٌ أن السوء بلغ ذروته عندما طُردت سورية من جامعة الدول العربية وسلِّم مقعدها للمعارضة، الا ان ذلك كان يعني بوضوح ان الضغط الامريكي كان بالغا على النظام الرسمي العربي، وهنا لا نقدم اعذارا ولا تبريرات فلكل نفس ما كسبت انما لتأكيد الرؤية بان الحرب انما هي قرار غربي لأهداف غربية صلبة.

ومن هنا بالضبط كانت شراسة الملحمة البالغة وعنفوانها المتزايد، وكما يحب السوريون تسميتها “حربا كونية” وهي كذلك الى حد كبير.. مئات مليارات الدولارات ومئات آلاف القتلى وتدمير رهيب لمرافق الحياة والزجّ بالسياسة والإعلام والثقافة والدين في معركة على كل شبر وفي كل قرية من سورية.. لقد اشتركت السفن الألمانية والقوات الأمريكية والطائرات الفرنسية والخبراء الانجليز في غرف عمليات مشتركة ومعسكرات تدريب في داخل التراب السوري او على الحدود ومهّدت دولُ الجوار كل ما من شانه ان يجعل سورية خبرا في الماضي.. وتورَّط الجوار بالزجِّ بخبراته وجنوده وأمنه في المعركة – الملحمة واستطاعوا خلال سنوات خمس ان يفتكوا بالبلد، ولكنهم لم يستطيعوا المساس بشكل جوهري بمؤسسات الدولة التي أبدت تماسكا منقطع النظير في الصمود فلم نشهد على السلك الديبلوماسي او الاجهزة الامنية او الجيش او الحكومة أي اهتزاز يذكر، الأمر الذي يكشف عن حالة وعي بالمخطط المفروض على سورية.

وهنا لابد ان نشير الى الحلفاء لسورية ونؤكد انهم في سورية دافعوا عن مصالحهم الإستراتيجية وانهم يردون بعض جميل سورية عليهم وعلى الجميع؛ فسورية هي من كان نافذة إيران الوحيدة على المنطقة والعالم في ظل حصار غربي أمريكي استمر عقوداً من الزمن، كما ان سورية هي من زوَّد حزب الله بالسلاح والموقف السياسي في حربه ضد اسرائيل وان صواريخ سورية هي من كان يقاتل بيد أبناء حزب الله، وان روسيا تدرك ان سقوط سورية يعني بوضوح انهم سيبحثون عن اقرب بحر يفرغون فيه غازهم الذي ستستنكف اوربا عن استيراده.

سورية حاربت بالنيابة عن الجميع؛ عن جميع العرب، فلا فوضى خلاقة، وستعود البلدان الى استقرارها، وحاربت بالنيابة عن الإنسانية حيث كسرت حدة التسيُّد الأمريكي على العالم.. وهكذا تعود سورية إلى سيرتها الاولى: قلب العروبة النابض وحاملة مجد الاسلام وعزة الانسانية.. تولانا الله برحمته.

* مرَّ كل الغزاة من هنا مدحورين مهزومين، بل الاخطر انهم بهزيمتهم هنا انكسروا الى الابد.. لقد تدافعت عليها جيوش امبراطوريات الروم والفرس والصليبيين والمغول والفرنسيين وانهزمت جميعا وبقيت الشام هي نفسها بهويتها المتميزة: قلب العروبة النابض وراية الاسلام المجيدة ومستودع الانسانية الفذة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!