وضع التعليم العالي في غزة وحرب إبادة ضد سكانها
حوار مع الدكتور رامي يوسف مرجا
أستاذ الكيمياء العضوية ونائب عميد كلية العلوم بالجامعة الإسلامية قطاع غزة. فلسطين.
حاوره د.جمال ميموني، جامعة قسنطينة 1
نشكرك دكتور على قبول إجراء المقابلة رغم الظروف المأساوية التي تعيشونها داخل القطاع. ربما سيكون من الصعب أن نطرح عليكم سؤالا من قبيل “كيف تصفون الوضع؟” و”ما مدى فظاعة المأساة”، فما يحصل في غزة أشدّ من أي توصيف، لكن هل تحب أن تقول شيئا في هذا الخصوص لتضع القراء في صورة ما حدث؟ كيف تغيرت الحياة في غزة؟
بداية أحيي شعب الجزائر الشقيق الذي نعشقه ويعشقنا كيف لا وهو الشعب الوحيد الذي لا تجد فيه فردا واحدا لا يحمل هم فلسطين ويعتبرها قضيته الأولى، وهو قدوة شعوب العالم كلها في النضال ضد الاستعمار والظلم والقهر.
إن الحرب على فلسطين بشكل عام وقطاع غزة بشكل خاص تجاوزت فعلا كل حدود الوصف، وما يمارسه الاحتلال في هذه الحرب لا يمكن تصوره أو تصديقه. إن ما فعله ولا زال يفعله الاحتلال منذ ٩٧ يوما ضد الشعب الفلسطيني في غزة هو عملية إبادة جماعية بكل ما في الكلمة من معنى. قصف عشوائي لكل شيء في غزة بدون أي تمييز.
تم اليوم السبت 9 ديسمبر تدمير المسجد العمري التاريخي وسط مدينة غزة، والذي يعد من أقدم مساجد مدينة غزة والعالم. وحتى الآن، تم تدمير 104 مساجد وثلاث كنائس في قطاع غزة بالإضافة إلى عدد لا يحصى من المعالم الثقافية والتاريخية. على اليسار المسجد عام 2012 أثناء زيارة المؤلفرفقة وفد جزائري.
إن غزة تتعرض لحرب إبادة ولكم ان تتصورا هذه المساحة الصغيرة التي تتعرض لحصار شامل منذ ١٧ عاما، تتعرض لحرب بلا أخلاق للحرب ويتم فيها تجاوز كل القوانيين والأعراف الدولية من قبل العدو الصهيوني المدعوم بشكل كامل من النظام الصهيوأمريكي والأنظمة الرجعية، فقطاع غزة يتعرض لحرب عنوانها قتل الأطفال والنساء والشيوخ والرجال بلا رحمة. لقد قطعوا الكهرباء والاتصالات وقطعوا إمدادات الغذاء ودمروا المستشفيات والنظام الصحي بحيث لا يمكن معالجه الجرحى وبالتالي حكموا علي المصابين بالإعدام من خلال تدمير المستشفيات.
لم يتوقف هذا العدوان عند الانسان فقط بل نال من البنية التحتية بشكل كامل فقطعوا إمدادات المياه والصرف الصحي ودمروا الشوارع بشكل كامل والمدارس والجامعات، ولم يسلم من هذه الهمجية أي مكان في غزة ولذلك تكتمل كل أركان الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال وأعوانه بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
كانت الجامعة الإسلامية التي تدرّسون فيها من ضمن أولى أهداف جيش الاحتلال، وقد تحولت اليوم إلى أطلال يحتفظ ما تبقى من جدرانها بذكريات آلاف طلبة العلم الذين مروا عليها. الواقع أن هذا الخراب حلّ أيضا بعدد كبير من المؤسسات التعليمية في غزة.
إن استمرار الحرب الهمجية والإبادة الجماعية لكل أشكال الحياة وتقطيع أوصال قطاع غزة وقطع الاتصالات والتواصل جعل من الصعب القيام بعمليه إحصاء لعدد الشهداء والجرحى من العاملين والطلبة في الجامعات، ولكن بكل تأكيد نحن نتحدث عن أعداد صادمة وفي كل يوم يرتقي شهداء من الاسرة الأكاديمية والطلبة والعاملين في الجامعات، وللأسف لن تكون هناك إحصائية دقيقه قبل انتهاء العدوان و رفع آثار الدمار حيث أن هناك الألوف من أبناء شعبنا لا زالوا تحت ركام المباني المهدمة جراء قصف الاحتلال.
الشهيد د. سفيان تايه، رئيس جامعة غزة الإسلامية الذي تم اغتياله رفقة عائلته يوم 2 ديسمبر الفارط. صورة الفقيد في الأسفل مع الأسرة الجامعية أثناء برنامج علمي مع الوفد الجزائري عام 2012
– ما وضع الأسرة الجامعية هناك من أساتذة وطلبة ؟ ولماذا يركز الاحتلال على تدمير الهيئات الأكاديمية في حين أنها ليست أهداف عسكرية؟ ولماذا هذا الإصرار على تدمير العلم والتعليم في غزة؟
إن الطلبة والعلماء ليسوا أهداف عسكرية، مع ذلك يصر الاحتلال على استهدافهم بهدف قتل المستقبل للشعب الفلسطيني، فالعلماء وطلبة العلم هم الشريحة الأرقى فكريا والقادرة على حمل الهم الفلسطيني وتحسين ظروف حياة شعبنا وتعزيز صموده في أرضه، ولذلك يتعمد الاحتلال القضاء على هذه المنظومة بشكل كامل من خلال استهداف المباني والمختبرات والعلماء والطلبة.
لم تتوقف الشعوب العربية عن دعم القضية الفلسطينية وهي تتابع بألم ما يحدث في غزة على خلاف معظم أنظمتها الفاشلة بل متواطئة مع الإحتلال، فكيف تتصور مساهمتها مستقبلا، خاصة من الجانب التعليمي، في تخفيف أضرار الدمار لاسيما عندما تعود الأمور إلى مجراها إلى حد ما بعد إنهاء الاعتداء ؟ وكيف يمكن للمجتمع المدني العربي وخاصة المؤسسات التعليمية وأفرادها أن يساهموا عمليا في لعب دور بهذا الخصوص؟ وما هو دور المرتقب للمجتمع العلمي العالمي في خضم الموجة التضامنية الهائلة التي تميز به طيلة الإعتداء الغاشم على شعبكم.
إن الشعوب العربية كانت وما زالت وستبقي الظهر الحامي والمساند للشعب الفلسطيني بغض النظر عن أنظمة الحكم فيها والتي لا زالت تعمل في فلك بعيد عن رغبه ومطالب الشعوب حتى أن العديد من هذه الأنظمة الرجعية والتي لها علاقات مع الكيان، لم تجرء على طرد سفراء الكيان من بلادها مما زاد من حجم الهوة بين المستوى الرسمي للأنظمة وشعوبها من ناحية، وسمح للكيان بالانفراد بالشعب الفلسطيني من ناحيه أخرى.
إن أواصر الدم والتاريخ والعقيدة واللغة بين الشعوب العربية والشعب الفلسطيني تفرض على الشعوب العربية ضرورة مناصرة الشعب الفلسطيني بكل الأشكال، ففلسطين عموما وغزة تحديدا تخوض معركه مقدسه نيابة عن العالم العربي والاسلامي وعليه أجد من اللازم والواجب الذي لا يحتمل التأخير أو التقهقر أو التردد، دعم فلسطين بكافه أشكال الدعم والذي يتضمن الاستمرار في مظاهرات الاحتجاج اليومية ومقاطعه المنتجات الصهيوأمريكية والأوروبية وتحديدا الدول التي تدعم الكيان بشكل واضح.
إن مطالبة فلسطين بأشكال الدعم تنبع من قناعتنا بالمصير المشترك للأمة العربية في مواجهة مشاريع التصفية للعالم العربي والتي تقف فلسطين بدماء أبنائها حصنا منيعا مدافعا عن شرفها. انطلاقا من هذه القناعة فنحن ندرك تماما أن واجب الأمة العربية المساهمة في عمليه البناء والإعمار وهي واجب شرعي وقومي وأخلاقي لن يرحم التاريخ من يتخاذل فيه.
اسمحوا لي أن انتهز هذه الفرصة بمناشدتكم وشعب الجزائر الشقيق للمساهمة من أجل بناء الجامعة وإصلاح الجامعات حيث سنوجه هذا النداء لكافة الدول العربية وأحرار العالم في الدول الأوروبية التي لنا فيها أصدقاء، بهدف العمل على مساعدتنا في استعاده الحياة الجامعية لآلاف الطلبة في قطاع غزة.
تحياتي لكم ولشعب الجزائر العظيم. دمتم بخير.