..ونحن نحبُّ الجزائر أكثر من ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً
كما يولد الجزائريون، ويكبرون على حبِّ فلسطين، يولد الفلسطينيون ويكبرون على حبِّ الجزائر أيضاً. هل لهذا الحبِّ المتبادَل سرٌّ لا نعرفه؟! وهنا لستُ معنيّاً بالبحث عن إجابة لأنَّ المُحِبَّ ليس بالضرورة أن يبحث عن أسباب حبّه.
عندما استقلّت الجزائر، وطردت الاستعمار الفرنسي الوحشي عن أراضيها بضريبة دم تجاوزت المليون ونصف مليون شهيد، كنت في الصف الأول الابتدائي، وفي قرية فلسطينية مهمَّشة. عندما تُذْكَرُ ثورة الشعب الجزائري العظيمة والعظيم، يتذكر الطفلُ فيَّ كيف كنّا نتبرع بمصروفنا اليوميِّ للثورة الجزائرية التي لم يكن عقلُنا الطفل يعي ما هي الثورة؟ ومن هي الجزائر؟ ولا ما يمكن أن تقدّمه الفلوس الخمسة التي كنا نضعها في صندوق مخصّص لذلك من دعم للثورة الجزائرية التي انتصرت وأنا في السادسة من عمري؟
هل من ذلك التاريخ بدأ حبُّنا للجزائر وتعَلُّقِنا بها، وتنامى هذا الحبُّ لها، ولشعبها العظيم يوماً بعد يوم حتى بلغ اليوم مرحلة العشق غير المحدود؟ لست أدري! كان الحلم يراودني لعدة عقود من الزمن لزيارة الجزائر. وقد تحقّق هذا الحلم مرتين، الأولى في شهر ماي عام 2015 عندما دُعِيت ضمن وفدٍ فلسطين للمشاركة في أسبوع ثقافي على شرف قسنطينة عاصمة للثقافة العربية، والثانية في شهر أوت عام 2016 ضمن وفد للأمانة العامة للاتحاد العامّ للكتاب والأدباء الفلسطينيين للإشراف على عقد مؤتمر فرع الاتحاد هناك.
أثناء هاتين الزيارتين، وإن كانت الأولى وفّرت لي فرصة أوسع مدى للاحتكاك بالأشقاء الجزائريين هناك نظراً لطبيعة النشاط، إلا أنّ ما لمسته من محبّة لفلسطين وأهلها في الزيارتين أكد لي المؤكد، حتى همستُ في أذن صديقٍ جزائري: “ارحمونا من هذا الحبّ القاتل” مستذكراً ما قاله الشاعر الراحل محمود درويش للنقاد العرب سبعينيات القرن الماضي.
عندما حطّت الطائرة على مدرجات مطار هواري بومدين في الجزائر العاصمة كدنا نحن المدّخِنين أن ننفجر قهراً لامتناعنا عن التدخين قسراً لعدة ساعات. وفور دخولنا إلى قاعات المطار استقبلنا مضيفونا الجزائريون في قاعة كبار الزوار، وكسروا قانون منع التدخين في المطار وقاعاته، وقال أحدُهم إنها المرة الأولى التي يكسرون فيها القانون في هذه القاعة.
في ساعة افتتاح نشاطات الأسبوع الثقافي كان التزاحم على الدخول منقطع النظير. قال أحد الحاضرين بأن دولة (—) سبقتكم بإقامة أسبوع ثقافي هنا، وبعد أيام سيأتي وفدٌ ثقافي من دولة (—)، كانت مشاركة الناس خجولة، وأظنها كذلك ستكون.
ذات يوم دعانا صديقٌ جزائري لتناول الغداء في إحدى البلدات، وفي بيته كان عددٌ من المجاهدين القدماء قد تجمّعوا، وكانت أعمارهم تدق أبواب التسعين. عندما علموا أننا من فلسطين، قال أحدُهم: “لو كانت فلسطين على حدودنا لَما توقّفنا حتى تحريرها، وتحرير الجزائر لا يكتمل إلا بتحرير فلسطين”.
في شوارع قسنطينة، والجزائر العاصمة، حيث أقمنا، يُحاط الفلسطينيُّ بمحبةٍ تقترب من القداسة، لذا همست في أذن صديقي الجزائري عن عظمة حبّهم لفلسطين، ولأهلها. يقول صديقي الجزائري: “الجزائريون قد يختلفون على أيّ قضية، إلا أنّ قضية فلسطين تجمعهم”. ويردّد مقولة الرئيس الراحل هواري بومدين: “نحن مع فلسطين ظالمة أو مظلومة”.
لماذا الكتابة عن الجزائر اليوم؟
هل لأنّ (محاربي الصحراء) وجمهورَهم يرفعون علم فلسطين في كلّ مباراة يخوضونها جنباً إلى جنبٍ مع علم بلادهم الوطني، ما يدخل البهجة في نفوسنا نحن الفلسطينيين؟ أم لأنّ الفلسطينيين أصبحوا يشعرون اليوم بأنّ ظهرهم أصبح مكشوفاً في زمن عهر التسابق على التطبيع مع العدو، والانبطاح تحت نِعاله، ولم يبق لهم من الدعم العربي، الرسمي والشعبي معاً، سوى الجزائر؟
في تلك الرحلة لم يُخْفِ الجزائريون الذين اختلطنا بهم قهرَهم على وضعنا الداخلي، وكانوا يتحدّثون بألم عن حالة الانقسام، ويتمنّون علينا بمعنى الرجاء أن نطوي هذه الصفحة السوداء. وكان السؤال: هل يحب الجزائريون فلسطين أكثر منا؟ أليسوا هم الذين قد يختلفون على أيّ قضية، وإنما قضية فلسطين هي التي تجمعهم؟
في الزيارة الثانية ذهبنا من الجزائر العاصمة إلى ولاية بجاية في الشرق الجزائري عبر ولاية تيزو وزو، وعندما بدأنا بصعود الجبال والمرور عبر الغابات التي تعرّضت للحرائق في العام الماضي، كنا نشاهد العلم الفلسطيني مرفوعاً بشكل لافت على ساريات تعتلي محالّ الاستراحات على الطريق، وكأنّ العلم الفلسطيني أصبح أحد مكونات الثقافة الشعبية لدى الجزائر والجزائريين.
لماذا الكتابة عن الجزائر اليوم؟
فلسطين قصة حبٍّ لا تنتهي عند الجزائريين، بل هي رواية طويلة لا تنتهي أجزاؤها وتفاصيلها.
أعترف بأنني لست من عشاق لعبة كرة القدم، وإن كانت اللعبة الأكثر شعبية وجماهيرية في العالم.
هل الشعراء لا يحبّون هذه اللعبة؟! كتب شاعرُ فلسطين الكبير محمود درويش نصاً عن أسطورة كرة القدم الأرجنتيني “دييغو أرماندو مارادونا” بعد رحيله المفاجئ تحت عنوان: “لن يجدوا دماً في عروقه بل وقود الصواريخ”:
{{ماذا فعلت بالساعة، ماذا صنعت بالمواعيد؟
ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟
مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمنّاه شهراً تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟}}
أعترف بأنني لست من عشاق لعبة كرة القدم، ولكنني شاهدت المباراة الأخيرة ضمن فعاليات كأس العرب في نسختها العاشرة بين فريقي (محاربي الصحراء) و(نسور قرطاج) الشقيقين، وهل أقول لهم كما قال درويش بالأسطورة مارادونا إن في عروق (محاربي الصحراء) وقود الصواريخ؟
لماذا الكتابة عن الجزائر اليوم؟
هل لأنّ (محاربي الصحراء) وجمهورَهم يرفعون علم فلسطين في كلّ مباراة يخوضونها جنباً إلى جنبٍ مع علم بلادهم الوطني، ما يدخل البهجة في نفوسنا نحن الفلسطينيين؟ أم لأنّ الفلسطينيين أصبحوا يشعرون اليوم بأنّ ظهرهم أصبح مكشوفاً في زمن عهر التسابق على التطبيع مع العدو، والانبطاح تحت نِعاله، ولم يبق لهم من الدعم العربي، الرسمي والشعبي معاً، سوى الجزائر؟ أم لأنّ الجزائر أصبحت في دائرة الاستهداف المباشر من قبل عدونا (عدوّها) وأعدائها؟ أم لكل هذه الأسباب مجتمعة؟! اعتاد الجزائريون على كظم الغيظ إذا ما تلعق الأمر بقضية أو مؤامرة كبرى تعصف ببلادهم ولم نعلن موقفاً مناصراً فيها للجزائر. في مؤامرة (العشرية السوداء) التي (تِنْذَكِرْ وما تِنّْعاد) كما يقول المثل الشعبي في بلاد الشام، والتي حوّلها زياد الرحباني كاتباً وملحنا إلى أغنية بصوت السيدة فيروز، كان هناك عَتَبٌ جزائري غير معلَن علينا. الجزائر اليوم أصبحت على خطِّ النار عندما وقّعت الحكومة المغربية اتفاقية أمنية مع دولة الاحتلال، وأصبح العدوّ، عدوُّنا وعدوُّها، يقف على حدودها بشكل مباشر. نحن نميّز بين موقف الشعب المغربي الذي خرج للتظاهر ضد تلك الاتفاقية وبين الحكومة المغربية التي وقّعت عليها، وهنا لم يعد للحياد أيُّ معنى، ويتوجَّب علينا أن نعيد صياغة مقولة الرئيس الراحل هواري بومدين: “الجزائر مع فلسطين ظالمة أو مظلومة” ونعلن أن “فلسطين مع الجزائر ظالمة أو مظلومة”، رسمياً وشعبياً معاً، أقول رسميا وشعبياً معاً لأنّ للسياسيين حساباتهم التي قد لا تلتقي بالضرورة مع رؤى وتطلعات شعوبها، فالحياد في قضية كهذه غير مبرر على الإطلاق.
لقد أنهى كاتب الجزائر الكبير الراحل الطاهر وطار رواية “اللاز” بالمثل الشعبي الجزائري الشهير: “ما يبقى في الوادي غير حجاره”، وحقّا: “ما يبقى في الوادي غير حجاره”. مباركٌ لكم ولنا هذا الفوز يا (محاربي الصحراء). ونحن نحبّ الجزائر وشعبها أكثر من ما نستطيع إلى ذلك سبيلاً.