يومٌ مشهودٌ في باتنة
في أكثر أيام الجزائر اسودادا، وفي أكثرها ظلاما وظلما، وفي أكثرها دافعا إلى اليأس القاتل للبأس بسبب ما نُكبنا به من وجود الصليبيين الفرنسيين في أرضنا الطاهرة… في تلك الأيام، يكتب الإمام عبد الحميد ابن باديس مؤكدا حقيقة، باثّا الأمل في النفوس، حاثًّا على العمل قائلا: “طينةُ الجزائر طينةُ علمٍ وذكاء إذا واتتها الظروف”، ناسفًا ما كان يردّده الأوباش الفرنسيون في أقوالهم وكتاباتهم من أنّنا “عِرقٌ غير قابل للتربية”.
جالت في خاطري هذه الأمور وأنا أتشرّف بحضور نشاطات جامعة المجاهد الشهيد الرمز سي مصطفى بن بولعيد في مدينة باتنة، وذلك في يومي الأربعاء والخميس 15 و16 أفريل 2026.
كانت المناسبة إحياء ذكرى يوم العلم المنظَّم من طرف “نادي البيان والتبيين” التابع لطلبة المدرسة العليا للأساتذة، وهو نادٍ علميٌّ أدبيٌّ يسهر عليه أساتذة يعدّون عملهم جهادا ورسالة لا وظيفة، ويساعدهم على ذلك إدارة نشطة… وأشهد أنّني لم أرَ ناديا كهذا في أيِّ جامعةٍ جزائرية زرتُها.. وممَّا تميَّز وامتاز به هذا النشاط تكريم ثماني طالبات حافظات لكتاب الله- عزّ وجلّ-. هذا الحفظ الذي لم يمنعهنّ من التفوُّق في دراستهنّ الأكاديمية… وقد تفضَّل السيد رئيس الجامعة، فأعلن عن إهداء هؤلاء الطالبات عمرة… وكانت منشّطة الحفل والمتدخّلات من أفصح من سمعتُ من الذكران والنسوان، وقد ألقت إحدى الطالبات مداخلة باللسانين العربي والإنجليزي عمّا سمّته “كيف تكون مثقفا في عصر السرعة؟”.
كما ألقى الدكتور جمال ميموني، أستاذٌ في علم الفلك بجامعة قسنطينة، وحائزٌ “وسام العالم الجزائري”، محاضرةً علمية دقيقة تابعها الجميع بأقصى درجات الانتباه، لأنّ الدكتور جمالًا لم يكن تقليديا في محاضرته؛ فقد كان يستعين بصور، ويتحرَّك في وسط قاعة المحاضرات، ويطرح أسئلة، ويقدّم تشجيعات رمزية للموفَّقين والموفَّقات في الإجابات، وكان عنوانُ محاضرته “القضايا التي ينبغي أن يعرفها المسلمُ المعاصِر في القرن الحادي والعشرين عن الكون”. ومما لفت نظري قولُ الدكتور جمال إنَّ 94 بالمائة من حقائق الكون العلمية مجهولة، وهو ما ذكّرني بكتابٍ ألّفه نحو خمسين عالما في العلوم المادّية عنوانه: “موسوعة الجهل”، الذي أكّد قوله تعالى: “وما أوتيتُم من العلم إلا قليلا”، وقوله، عزّ من قائل: “ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمدُّه من بعده سبعةُ أبحر ما نفدت كلماتُ الله”.
وقد تفضّل السيد مديرُ المدرسة العليا وأحدُ الأساتذة فتجوَّلا بي في بعض نواحي تلك المناطق التي ساهمت بنصيب أكبر في تطهير الجزائر من الرِّجس الفرنسي.
لم يعكّر عليَّ سروري إلا ما شاهدتُه عندما زرتُ الموقع الأثري إمدغاسن الذي يؤكِّد مقولة الإمام ابن باديس، ذلك أنّ هذا القبر العملاق الذي شُيِّد قبل الاحتلال الروماني هو الآن مُهمَل رغم وجود حراسةٍ عليه، ومما يدلُّ على هذا الإهمال أنّ بعض حجارته التي تزن أطنانا مدعمة بألواح خشبية مهترئة، وتساءلت: أين هي مصالحُ وزارة الثقافة؟
كما ترحّمنا على روح المجاهد الرئيس الأسبق اليامين زروال الذي كان ثاني اثنين من “رؤساء العرب” زاهدا في كرسيِّ الرئاسة، وأوّلُ الاثنين هو الرئيسُ السوداني سوار الذهب.