أمي الحاجة رابحة عند إيرينا بوكوفا المديرة العامة لليونسكو
لأن الأمر يتعلق بيوم 23 أبريل وهو اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف الذي أقرّته اليونسكو العام 1995، ولأن الأمر كذلك ومهم إلى هذه الدرجة فقد قررت أمي الحاجة رابحة دق باب المديرة العامة لليونسكو السيدة إيرينا بوكوفا Irina Bokova، للتذكير السيدة إيرينا البلغارية الجنسية هي التي هزمت فاروق حسني في انتخابات اليونسكو ذات أكتوبر 2009 قبل أن تهزمه ثورة 25 يناير ويوضع رهن التحقيق ويمنع من السفر، ولكن أمي أصرّت بهذه المناسبة السعيدة والخاصة إلا أن تقتحم مكتب “الرَّجُلَة” الأولى في المؤسسة العالمية اليونسكو لتحدثها عن الكِتاب والكُتّاب.
-
على كل حال فأمي الحاجة رابحة ليست فنانة تشكيلية مثل فاروق حسني الذي يعرض في أكبر الغاليريهات الدولية، ومع ذلك استطاعت أمي أن تبدع أشياء لم يبدعها الفنان فاروق حسني، استطاعت أن تبدع ثمانية عشر طفلا ذكورا وإناثا بالتساوي وهي من أجمل المُبْدَعات الخَلاَّقَات، وأمي تعرف وتفهم جيدا دلالات المثل القائل: “كُلْ خَنفوسْ عَندْ أمُّو غْزالْ”، وكُنّا خنافيسها الغزلان بامتياز، وكان بإمكانها أن تقيم بنا معرضا “للمجسمات البشرية” متكونا من ثماني عشرة لوحة أو منحوتة لتنافس به معارض فاروق حسني المصاب بالكآبة هذه الأيام.
-
على كل فأمي الحاجة رابحة لم تحضر في حياتها كلها حفلة من مثل حفلات الاستقبال الكبرى التي تقام في فنادق الدرجة الأولى ذات الخمس والست نجوم ولكنها حين تحضر عرسا مسيرديا، وما أكثر ما حضرت، فإنها تُفيضُ عليه الفرحة برقصتها الرائعة في تعفّفها والتي لا تشبه تلك الرقصات الاستهلاك على منصات الشرف التي يحضرها الفنان الوزير السابق فاروق حسني وخصمته العنيدة السيدة إيرينا بوكوفا.
-
مع ذلك قررت أمي أن تزور المديرة العامة لليونسكو السيدة إيرينا بوكوفا لتحدثها في شأن الكتاب الذي أصبح “بْلا شانْ” وعن حقوق المؤلف، حقوقه في حرية التعبير أم حقوقه المادية؟ من الأولى ومن الأسبق؟ “بْزوجْ كِيفْ كِيفْ” في مهب الريح.
-
عجبت لعناد أمي في إصرارها على لقاء السيدة إيرينا بوكوفا وبمناسبة اليوم العالمي للكتاب وحقوق المؤلف، لا أخفي عليكم حاولت أن أقنعها بالتراجع عن هذا اللقاء، خاصة وأنها لا تتكلم الفرنسية ولا الإنجليزية ولا البلغارية، إنها لا تتقن سوى اللغة المسيردية القُحّة التي تشبه في موسيقاها ولكنتها اللغة الألمانية!!! لكن أمي قالت لي: “البَطْ ما يْعَلَّمْ أمُّو النَّطْ”. وسكتُّ. ورضخت لطلبها.
-
بالمناسبة أيضا أمي لم تكتب كتابا في حياتها، بل لم تقرأ كتابا في عمرها كله، بل، أكثر من ذلك كله فهي لم تضع رجلا في مدرسة. ومع ذلك تصر إصرارا على لقاء السيدة إيرينا بوكوفا في العيد العالمي للكتاب وحقوق المؤلف.
-
ولكن أمي التي فيها كل هذه المواصفات، كسائر أمهاتكم، حين دخلت على السيدة إيرينا بوكوفا في مكتبها بمقر اليونسكو والذي يطل على باريس في منظر فريد ومدهش، لم تفقد شجاعتها كما يحدث معنا نحن “السفهاء” حين ندخل مكتب مسئول ولو لطلب شهادة ميلاد نرتجف خوفا ونبحث عن جمل للكلام قبل تخطي عتبة المكتبة، ننقي جملنا حتى لا نجرح مزاج المسئول، واجهت أمي السيدة إيرينا بوكوفا بوصفها المسئولة الأولى على منظمة هي ”المشرفة على الوعي الإنساني” بكل ثقة، وتكلمت:
-
قالت أمي للسيدة إيرينا بوكوفا التي أحضرت ترجمانها الخاص والمتخصص في اللغة المسيردية، لم أكن أعلم أن للسيدة إيرينا بوكوفا مترجما متخصصا في لغة أمي، ربما يكون قد تعلمها في جامعة من جامعات أربوز أو سوق التلاثا أو بيدر أو لعشاش (هذه أسماء دشور في امسيردا) قالت:
-
– اسمعي يا إيرينا بوكوفا، أنا طوال حياتي لم أَدُسْ على ورقة مكتوبة، وما أن أعثر على ورقة مكتوبة ملقاة على الأرض، أو أصادف ورقة مكتوبة مرمية على الأرض وهذا نادر ما يحدث أرفعها وأضعها في مقام عال، أضعها في أي شق من شقوق سور الحوش الكبير الذي به كثير من الشقوق ومن كثرة الشقوق والأوراق المكتوبة التي كنت أدخلها في ثناياه أصبح سور حوشنا شبيها بحال حائط المبكى. كادت السيدة إيرينا بوكوفا أن تنفجر ضحكا؟ لولا أنها خافت من أن تتهم بمعاداة السامية. بلعت ضحكتها وعادت ملامح وجهها لجدية أكبر من الأول.
-
وبدأت أمي تتحدث للسيدة إيرينا بوكوفا عن تربيتها لي مؤكدة بأنها لم تمنع يوما ابنها من قراءة كتب مكتوبة بلغة الجنة التي هي العربية (المترجم لم يفهم ما كانت تقصده أمي، وأمي فهمت بأن المترجم لم يفهم شيئا) ولم تمنعه من قراءة أي كتاب مكتوب بلغة الغاوري، أي الرومية التي هي لغة الفرنسيس الذين استعمرونا، ولم تحرمه من القراءة حتى بلغة صبنيول الذين اشتهروا سنوات استعمار فرنسا للجزائر بتربية الحمير في امسيردا ثم تطوروا وأصبحوا مع مرور الأيام “أهل بغال”.
-
أنا يا سيدتي إيرينا بوكوفا أحب الكتب مهما كانت لغتها، مع أنني لا أتكلم سوى ما على لساني من لغة قومي أي المسيردية. هو ربي خلق في محبة الكتاب، فله الشكر والحمد الكثير له، ومع أنني لا أعرف القراءة وهذا يحزنني، إلا أنني أفضل منظر الكتب على الرف على منظر فناجين القهوة والصحون الخزفية خلف زجاج الخزانات البئيسة.
-
اعتدلت أمي في جلستها وأضافت: اليوم يا سيدتي تحتفل بلادنا بالكتاب من جهة وتصفق له وتمنعه من جهة أخرى، أنا لا أفهم يا سيدتي إيرينا بوكوفا كيف نحتفل بشيء ثم نحاربه. لم أكن أعرف يا سيدتي بأن دولتنا تخاف على مواطنيها اليوم أكثر مما كنا نخاف نحن عليهم، ولأنهم يا سيدتي يخافون عليهم، كما يقولون، فيبدو أن الكتب هي التي تثير الرعب فيهم، إنهم يخافون على المواطنين من الكتب أكثر مما يخافون عليهم من استعمال السلاح أو استهلاك المخدرات، لذلك امتلأت الشوارع بالأوراق المكتوبة المرمية في كل اتجاه والناس تدوس عليها دون رحمة، الناس تمشي فوق الحروف يا سبحان الله ”من شر ما خلق”.
-
أمي محقة في كلامها، والأمهات كلهن محقات حتى ولو أخطأن، إذ أذكر أنها كانت ترتب كتبي فلا تفرق بين كتاب رومي وآخر ينتمي للغة الجنة، كانت تتعامل مع كتبي بالمساواة وبالعناية نفسها، لا فرق عندها بين كتاب في التفسير وكتاب في الجغرافيا، لا فرق عندها بين كتاب في التربية الدينية ورواية مدام بوفاري لفلوبير التي كنت مغرما بها، لا فرق عندها بين كتاب في تاريخ الجزائر وأزهار الشر لبودلير، كانت أمي تريد من كل ذلك شيئا واحدا: تريدني أن أقرأ الكتب كثيرا كثيرا. ولأنني كنت أحب أمي، كما جميعكم يحب أمه، فقد كنت أقضي جل وقتي مدفون الرأس في الكتب، وكانت تفرح لذلك. كانت تقول لي: إقرأ كتابين: كتاب من أجلك والثاني لأجلي. وكنت أقرأ كتابين دفعة واحدة: واحد لي وثان لأمي. وهي العادة التي احتفظت بها حتى اليوم إذ لا أزال أقرأ كتابين بالتناوب.
-
نظرت أمي إلى السيدة إيرينا بوكوفا المديرة العامة لليونسكو ثم قالت قبل أن تنتهي المقابلة: كنت أقول لابني وأردد ذلك سبعين مرة في اليوم وأنا أجلس قبالته وهو يقرأ الكتابين دفعة واحدة: وحدها الكتب يا ابني ستجعل منك رجلا ونصف. ضحكت إيرينا بوكوفا من منطق أمي ولكنها، للباقتها ودبلوماسيتها وهي التي كانت وزيرة للخارجية، أخفت ذلك في بحة خافته.
-
اليوم يا سيدتي إيرينا بوكوفا يُقال لأبنائنا في بلادنا التي تسمى بلاد “أمة الكتاب”: الوقت الذي يُصرَفُ في قراءة كتاب كاف لسرقة بنك أو للاستيلاء على عقار تابع للدولة أو لتوقيع عقد مشبوه، فلا تضيعوا أوقاتكم في ما يكسر الرأس ويجلب الصداع، كل أنواع الصداعات.
-
العالم يا سيدتي إيرينا بوكوفا تغيّر كثيرا، لقد اختفت القراءة التي كانت ممزوجة برائحة غاز اللامبة البترولية أو عطر الشمع الذائب على مائدة ثلاثية القوائم، لكم تغيّر هذا العالم كثيرا في اتجاه الخوف من الكتاب ومعاداته ومحاربته من خلال الاحتفال به!! ففي زمن تحتفلون فيه أنتم بالكتاب وتصرفون الأموال الكثيرة وتقيمون الاستقبالات في الفنادق الكبرى، نحن يا سيدتي إيرينا بوكوفا كنا نحب الكتاب وكنا نقدره ولم نكن نحتفل به بل كنا نحتفل “بختان” من يقرأ الكتاب كي يكون رجلا ونصف.
-
مع ذلك اسمحوا لي أن أقول لكم إن أمي غادرت هذا العالم في ديسمبر 1999 ولكنها قادرة على محاورة إيرينا بوكوفا حتى من مرقدها الأبدي حين يتعلق الأمر “بالمكتوب” الذي لا تريد أن يسقط على الأرض فتدوسه أرجل أو يهينه أحد.