وين الهربة وين!
في وقت دعا بعض الأئمة الجزائريين، إلى الاصطياف بتونس لإنجاح السياحة في هذه الجارة ومساعدة حكومة حركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي، تبيّن أن الجزائر غير معنية بقرار الدخول إلى تونس ببطاقة التعريف الوطنية فقط.. والحال أننا في حاجة إلى “فتاوى” تـُنعش سياحتنا وتنفض الغبار عن ما أصابنا من وهن وخمول وتكاسل، هرّب ونفـّر السياح الأجانب، والآن أصوات وأياد تتورط في تحريض الباقي المتبقي من البقية الباقية لبقايا المواطنين الذين يزورون القالة والعوانة وعين الترك!
ما أحوجنا إلى من ينصح هؤلاء وأولئك بالبقاء هنا في بلدهم، لكن علينا أن لا نخفي الشمس بالغربال، ونقول بأن كلّ شيئ على ما يرام، فأساليب ووسائل الاستقطاب والإقناع تكاد تكون منعدمة ومعدومة، بسبب سوء التسيير والفوضى والعشوائية، ومنطق “تخطي راسي!”
من الطبيعي أن يفرّ ألاف الجزائريين نحو تونس وتركيا والمغرب وغيرها، والمصيبة أن هؤلاء الهاربين يتوجهون نحو شواطئ للجزائر ما أحسن منها، لكنهم يتوجهون إليها بحثا عن الراحة والاستجمام والخدمات، وهو الامتياز المدفون عندنا في مقبرة “النيف والخسارة!”
بيننا وبينهم فروقات كبيرة، لا تلتقي أبدا، لأنهم يفكرون بعقولهم وجيوبهم، ونفكر نحن بقلوبنا وعواطفنا.. إنهم يفكرون في العدد الذي يُدخلونه إلى بلدهم، فينتفعون منه بالأورو والدولار، ويستثمرونها بعدها في مشاريع تنموية وفي تزويق بلدهم، فيما نتنافس نحن في العدد الذي نطرده من بلدنا فنقتل السياحة وندفن المداخيل والمشاريع وننفّر المستثمرين ورجال المال والأعمال!
هل يُعقل أن ندفن بالجملة والتجزئة مناطق خلقها الله في أحسن تقويم، ونحوّلها إلى مفارغ عمومية وربوات منسية ومرادم للنفايات ولتنفير السياح؟.. إن ما يجري بـ”منتجعات” جيجل وعنابة، وسانتا كروز وعين تيموشنت والقالة وتيكجدة وتيمقاد وجميلة والأسكرام وتاغيت والأهقار والطاسيلي ولا لا ستي، وغيرها من ”المحميات” وبينها المصنفة عالميا، لا يجب السكوت عنه أو التواطؤ للقضاء عليه!
عيب علينا، أن نتحوّل من بلد يستقطب ويستورد السياح إلى بلد طارد ومصدّر للسياح، وعار علينا أن نسمح للبعض منّا بتشويه صورة وسمعة هذا البلد الآمن والجميل، وقد خلق الله به ما لذّ وطاب، وما بإمكانه أن يُبقي على أهله بين أحضانه، وعندها يُمكن أن نقول: لا أهلا ولا سهلا ولا مرحبا بأجانب يبحثون عن اللذّة واللهو في بلد يكفر بـ”تطياح القدر” ومعصية الخالق!
عندما يبلغ الأمر بالجزائريين خاصة البسطاء منهم، وهم بطبيعة الحال الأغلبية المسحوقة إلى رسم علامات استفهام وتعجب أمام الوجهة التي بإمكانهم أن يقصدونها دون أن تترصّدهم المخاطر والتهديدات القادمة من اللصوصية وقطاع الطرق والمنحرفين!
علينا أن نعترف جميعا بأننا ساهمنا كل في مكانه، وحسب وظيفته وموقعه وأدائه، في تسطيح الأمور وتصغير الكبائر وتكبير الصغائر، وتسويد الأبيض وتبييض الأسود.. وقبلنا ذلك علينا أن لا نغادر بيوتنا نحو بيوت الآخرين، ثم نلوم الضيوف على عدم القدوم إلينا!
مثلما المسؤولية هي مسؤولية مجتمع، هي أيضا مسؤولية حكومة ووزراء يعتقدون أنهم نصّبوا في وظائفهم من أجل ”التحواس والتشماس”.. خارج الجزائر طبعا!