author-picture

icon-writer ربورتاج / عبد القادركشناوي

عندما يحل فصل الصيف وتزداد المتاعب بحرارته يوما بعد يوم يدرك أهل أدرار أن الحرارة ستشل دواليب الحياة، وأن موعد الهجرة إلى الشمال قد حان على اعتبار أن المكوث في هذه المنطقة أمر صعب.

في بعض الأحيان لن يكون لسيء الحظ الذي أجبرته الظروف والأقدار على البقاء بها سوى تذوق طعم الحرارة ومعايشة الروتين الذي تطبعه القيلولة والجلوس في المقاهي او التسلية بلعبة الديمينو ليلا، او مشاهدة المباريات الكروية بالبيوت تحت المكيفات الهوائية وقد تفاجئهم الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي معطلة أحيانا الجهاز ومفسدة الجلسة وإلى أوقات طويلة قد تتعدى الساعات تحرم البعض من متابعة المباريات، ورغم هذا ما هي إلى محاولات لتخطي ونسيان واقع مر ازداد قساوة جراء الظروف الطبيعية وصعوبة الحياة.

يجمع كل من يعيش في منطقة ادرار او الزائرين لها ان دواليب الحركة بهذه الناحية بطيئة نوعا ما وتسير بسرعة السلحفاة، مقارنة بنظيرتها في الشمال، ويزداد الامر بطءا او جمودا مع حلول فصل الحر الذي يكاد يوقف عجلة الحياة فيكون مصير أي عمل أو نشاط التأجيل في أحسن الحالات، وبهذه الكيفية يختزل المشهد في معادلة الروتين والانتظار ويجبر كل شخص على التفكير في العطلة الصيفية.

وإن كان شهر جوان يمر بصفة عادية فإن جويلية وأوت يعرفان تهافت المواطنين والعمال على العطل لدرجة أن الحديث لا يخلو من التطرق إلى قضية(الكونجي)، وكثيرا اما تقع مجادلات ومناقشات في بعض الإدارات حول العطلة فكل واحد يرى أحقيته وأولويته بحكم أنه أمضى عاما كاملا في العمل وعدم تفويت فرصة أخذ قسط من الراحة والاستجمام حتى تكون العودة مع بداية سبتمبر.

وإذا كان أمر الحصول على العطلة يفصل فيه بطريقة أو بأخرى فإن أمر مكان قضائها هو مربط الفرس، على اعتبار أن القضية مرتبطة بمبالغ مالية يصعب توفيرها، خاصة بالنسبة للموظف البسيط الذي يجد نفسه بين مطرقة مغادرة ادرار وما تتطلبه من أموال وسندان البقاء في حرارة التي تفرض منطقها المميز وعلى حد قول البعض "الموت ارحم من أوت".

وفي خضم هذه المعادلة التي يصعب فك رموزها فإن العائلات الميسورة تجدها في موقع المفاضلة بين الأماكن التي توفر أحسن الخدمات وأفضل سبل الراحة سواء بمدن الشريط الساحلي من ذلك بجاية وهران وعنابة ومستغانم أو الذهاب الى خارج الوطن وبالأخص المغرب.

أما العائلات ذات الدخل المتوسط فكثيرا ما تتوجه إلى البحر في شكل مخيمات صيفية، فيما تستغل بعض العائلات ارتباطها بحكم الانتماء او المصاهرة ببعض المدن من نواحي وهران او مستغانم من أجل قضاء أيام معدودات، بعيدا عن لفح الحر، فإن العديد من الشباب لا يفوت فرصة الذهاب إلى البحر في إطار المخيمات الصيفية التي تبادر بها بعض الجمعيات ودور الشباب في محاولة لتنشيط الحركة الشبانية.

وإذا كان هذا حال من أتيحت له فرصة الهروب من ادرار فإن حال الذي أجبرته الظروف على البقاء أسوأ بكثير لأن المشهد جد قاتم يطبعه الروتين والملل ومعاناة مستمرة مع التزود بالماء الشروب، فجل أحياء مدن الولاية تستغيث وتشكو التذبذب في التوزيع، رغم أن مشكل الكمية لا يطرح خاصة وأن الملايير أنفقت لتحسين هذا الوضع الذي يبقى هاجس السلطات المحلية.

نفس القول ينطبق على حال الكهرباء التي تنقطع بشكل متكرر ومفاجئ مست جميع الأحياء، ناهيك على ضعف طاقتها.

الملاحظ أن هذه المعضلة باتت تؤرق المواطن بسبب الخسائر التي تخلفها في كل مرة. وفي ظل هذا الوضع فإن يوميات المواطن تبدو جد عادية تختزل في التوجه صباحا إلى سوق وسط المدينة "الدينار الطيب" أو سوق بودة الشعبي لقضاء بعض المآرب، وعادة ما يرتدي المواطن الادراري لباسا تقليديا خاصا بالمناطق الصحراوية كالڤندورة المعروفة باسم العبائة التي يكون لونها أبيض يعكس أشعة الشمس، ومظلة مصنوعة من سعف النخيل، وفي هذه الفسحة تم تناول أكواب الشاي في بعض المقاهي الشعبية المعروفة بإعدادها الجيد لهذا الشراب الذي يحبذه أهل الصحراء، ويلتقي الكل يحاكي ماضيه ولا يتحصر على وجوده بأدرار، ولا يخلو الحديث إلا عن درجة الحرارة وسموم العقارب والرياح الهوجاء وانقطاع الكهرباء، ورغم حرارة الطقس فإن العديد من الأشخاص ما زالوا أوفياء للمنطقة.

وبانقضاء فترة الصبيحة والتي تعد أقصر فترة بحكم حضر التجوال يبدأ مع العاشرة صباحا تبدأ رحلة العودة إلى الديار مبكرا فيستسلم الجميع للقيلولة التي تدوم لساعات، حيث يخيم الهدوء والسكون على أرجاء المدينة، ولا يسمع فقط رنين محركات المكيفات الهوائية حيث يتمكن المرء من أخذ قسط من الراحة وأي راحة مادامت الكهرباء معرضة للعطب والانقطاع، وهكذا يستعيد به أنفاسه تحسبا لفترة ما بعد غروب الشمس التي يخرج فيها مرة أخرى الى الشارع حيث يقوم البعض بتنظيف ورش أمام منازلهم لتلطيف الجو وإبعاد الحرارة.

وفي الليل تجدهم جالسين والبعض الآخر منبطحا جماعات جماعات في الساحة الكبيرة المعروفة بالفرسدة، وينتهي اليوم الذي يتكرر مرات ومرات. أما العائلات، فمصيرها البقاء بين أربعة جدران، ونظرا لانعدام أماكن الترفيه والتسلية، فيما تفضل بعض العائلات التوجه خارج المدينة وتأخذ معها لوازمها وتنتشر وسط الكثبان الرملية.

  • mail
  • print
  • share