• الفضل في إنجاح المسيرة النسوية المليونية يعود للرابطة
  • كان مشهدا مهيبا عندما اجتاح الحجاب شوارع العاصمة للدفاع عن الثوابت الوطنية
author-picture

icon-writer حاوره: محمد يعقوبي

يواصل الشيخ كمال ڤمازي، شهادته حيث يتحدث في هذه الحلقة عن المسيرة النسوية المليونية التي كانت ردا على الجمعيات النسوية الداعية إلى إلغاء قانون الأسرة. ويتحدث الشيخ أيضا عن غياب الشعب عن صناعة القرار، ما أدى إلى بروز أناس لا علاقة لهم بعمق هذا الشعب.

كيف كنتم تنتقون الصحفيين .. هل من المتعاطفين معكم؟

جريدة المنقذ كان يرأسها بن عزّوز زبدة ورئيس تحريرها الأخ عبد القادر معريش وهو أستاذ في التاريخ، وكان عضوا في المجلس الشوري الوطني.

من المفروض أن يكون رئيس تحريرها صحفيا؟

ليس بالضرورة، فالرجل أبدى كفاءة واقتدارا لأنه كانت له كتابات ومؤلفات وقد نجحت الصحيفة منذ صدورها ولاقت رواجا، وكانت تنفد في الأسواق وتسحب أكثر 120 ألف نسخة يوميا، وكانت بداية لأنه فيما بعد أصبح فيها صالح قوامي وهو صحفي في التلفزيون، فكلامنا هنا من البذرة الأولى لأنّه في ذلك الوقت لم تكن توجد تعددية إعلامية.

كانت تنافس الصحافة العمومية فقط؟

نعم، كانت الشعب والمجاهد والنّصر في الشرق والجمهورية في الغرب وليس في الجزائر غيرها، فكانت بداية للتعددية الاعلامية انطلقنا بالموجود، وأذكر في ذلك الوقت أنّي كلّفت من الجبهة الإسلامية للإنقاذ للاتصال بالمدير العام للشعب بن زغيبة واتفقنا على الجانب التقني الذي يخص الطباعة، وأمضيت معه عقد الطباعة كممثل عن الجبهة الإسلامية للإنقاذ كما أني كنت أحضر عند طبع الجريدة حتى إذا اكتمل الطبع أمضي على وثيقة الاستلام.

ما تقييمك لتجربة المنقذ .. هل كنتم تمارسون حرية التعبير فعلا؟

الجريدة كانت لسان حال الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فكنّا نحاول أن ننشر فيها كل ما نراه مهمّا بمسؤولية، مثلا قضية الانتخاب هل ندخل أو لا. كما كانت تنشر مقالات صحفية وبحوثا علمية وشرعية وسياسية ومنها بحوث ومشاركات الشيخ علي بن حاج التي كان يجيب فيها على التساؤلات والنوازل بالأدلة الشرعية من الكتاب وسنّة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت فضاء كنّا نغطي فيه مثلا التجمّعات التي تحدث في الولايات وأيضا ردود على الهجومات التي كانت تتعرض لها الجبهة الاسلامية أنذاك وبعض الأقوال الصادرة عن السلطة، وكانت تواكب الأحداث الأسبوعية وتتلقى المراسلات من مناضلينا في الولايات.

ماذا عن بقية الصحف التابعة للفيس؟

الشيء الرسمي الذي نعلمه أنّ هناك المنقذ ثمّ بعدها الهداية التي أشرف عليها الشيخ سحنوني والفرقان الناطقة باللغة الفرنسية، ومن واجبي في هذا المقام أن أذكّر بفضل عمي محمد حميداد، فهو الذي سعى وبذل جهدا مشكورا حتى خرجت للوجود هذه الصحيفة بالفرنسية.

ووجدتم إطارات للإشراف عليها من المفرنسين؟

طبعا .. والحق أنّ الناطقين بالفرنسية، من الإطارات التي كانت تعمل في الإدارة والمؤسسات، ساعدونا.

هل كان فيه شرط أنّه لابد من أن يكون الصحفي عندكم منتميا للجبهة ليشتغل في الجريدة؟

هذا الشرط لم يكن مطروحا لكن في الغالب كانوا من الجبهة وأنت تعلم أن الاعلامي يكون غالبا منسجما مع الخط الافتتاحي للجريدة أي منسجما وتوجهها الإعلامي.

وكيف كان تعاملكم مع باقي الصحف التي ليست تابعة للفيس؟

أذكر في ذلك الوقت أنّ بعض الكتّاب في الاعلام العمومي خاصة باللغة العربية، تجد فيهم المنصف لنا والمتفهم وليس بالضرورة أن يكون منخرطا في الجبهة ونحن في الغالب عند التعامل مع وسائل الإعلام ننشر الأفكار وليس بالضرورة أن يكون الصحفي معك مائة بالمائة، فالمهم أن يكون موضوعيا وقابلا للرأي والرأي الآخر . ونحن كذلك نتقبل النقد ونتقبل النصيحة .

بعد حصولكم على الاعتماد كيف كانت أولوياتكم؟

انطلقنا في تأسيس المكاتب الولائية وكان هناك جهد بذله الكثير من الإخوة، حيث كنّا نتنقّل من ولاية إلى أخرى لاعتماد الاخوة الذين يمثلون الجبهة لدى الشعب والجهات الرسمية.

كيف كانت عملية الانتقاء.. هل كانت بالانتخاب على المستوى القاعدي أم بالاختبار المركزي؟

بالنسبة للولايات كنّا نبدأ من القمّة، تعتمد الجبهة ثلاثة أشخاص غالبا وتوكل لهم مسؤولية الإشراف على النزول بالهيكلة إلى القاعدة، أي من الدائرة إلى البلدية. والولاية التي تكون جاهزة، يذهب الإخوة الأعضاء في المجلس الشوري الوطني لترسيمها.

هل وقعت لكم صراعات في بعض الولايات لتصدّر المشهد؟

كل ولاية لها خصوصياتها وظروفها والمهمة لم تكن سهلة.

لكن الإقبال على الانخراط معكم كان كبيرا؟

من الناحية الشعبية هذا الأمر كان صحيحا، أمّا من الناحية التنظيمية فكان هناك أحيانا المتردد ومن يقول بعدم التحزّب ومن هو معك لكن لا يريد الدخول في الحزب وفيه من يخاف أن تكون مكيدة من السلطة .

لكن أكبر إقبال من الناحية التنظيمية على الجبهة جاء بعد الفوز في الانتخابات البلدية. أمّا من الناحية الشعبية فكان الإقبال منقطع النظير. يوم 02 جانفي 1990 عقدنا أوّل لقاء للمكاتب الولائية المعتمدة عبر أنحاء القطر وقد وفق الله تعالى في تكوين المكاتب في 45 ولاية. وعقدنا أوّل لقاء في قاعة الحفلات ببلدية القبّة واستمرّ يوما كاملا في حضور الإخوة من الولايات الـ 45، أذكر أنّ وسائل الإعلام جاءت لتغطية الحدث ونحن نظرنا إليه على أنّه لقاء عادي كان فيه جدول أعمال مع تدخّل كل الولايات الحاضرة لكن الصحافة المكتوبة وخصوصا الناطقة بالفرنسية سمته في عناوينها مؤتمرا تمهيديا، فهذا كان حوصلة للجهد الذي استمرّ لعدّة شهور .

لكن الجبهة لم تعقد مؤتمرها؟

ربّما نتحدث في سياق الأحداث عن المؤتمر وعن المواعيد الانتخابية وحرب الخليج وغيرها من الأسباب التي جعلت المؤتمر يؤجل حتى انعقد مؤتمر الوفاء في باتنة ونحن في السجن. قمنا بهذا لكن بعد شهر كنّا ملزمين بإعداد قوائم البلديات لأنّ الرئيس استدعى الهيئة الانتخابية لانتخابات 12 جوان في مارس ونحن هنا في جانفي أي أنّنا قبل شهرين لابد أن نفرغ من تحضير القوائم .

الوقت لا يكفي طبعا؟

نعم، كنّا نجري وراء أحداث رزنامتها ليست من اختيارنا، لكن أحببت أن أشير إلى شيء قبل هذا وهو المسيرة النسوية يوم 29 ديسمبر 89 التي كانت حدثا وطنيا هاما .

كيف جاءت الفكرة؟

بعد أحداث أكتوبر كان يوجد فضاء مفتوح من الحريات لنا ولغيرنا ممن يعادينا أو يخالفنا، فكانت هناك جماعات نسوية تدعو إلى إلغاء قانون الأسرة ومطالب غريبة عن أصالة المرأة الجزائرية ودينها وحرمتها وتدّعي أنّها من حقوق المرأة.

كانت الجمعيات معروفة في ذلك الوقت وخليدة مسعودي (خليدة تومي حاليا) واحدة من النساء المعادية لكم؟

نعم، كانت خليدة تومي ومجموعة من دعاة الفكر التغريبي.

دعاة تحرر المرأة؟

نعم، بعد هذه الهجمة على المرأة المسلمة الحرّة الشريفة واحتكار الحديث باسمها، أراد الدعاة في الرابطة منهم الشيخ أحمد سحنون أن يكون عمل منسق للرد على هذا التوجّه، فاقترحت هذه المسيرة وربّما اقتراحات أخرى، وعندما تم الاتفاق على المسيرة حضرت جلسة للرابطة بمسجد أسامة بن زيد. وفي أثنائها تم تكليف خمسة من الإخوة بالإشراف على تنظيم المسيرة النسوية وإنجاحها.

باقي الحركات الإسلامية هل اعتمدت؟

لا.. الأحزاب الإسلامية اعتمدت بعد انتخابات جوان 90، فتعيّن أن يكون أخ يمثّل رابطة الدعوة الإسلامية أظنّه حمّي محمد ثابت، كما أذكر عز الدين جرافة من حركة النهضة وأخا من جماعة البناء الحضاري وأخا من جماعة نحناح رحمه الله وكنت أمثل الجبهة الإسلامية للإنقاذ.

كان الاتّفاق على تنظيم مسيرة نسوية للرد على المناوئين لكم؟

نعم وكان لكلّ حركة جناحها النسوي فكان ينسق معهنّ داخليا، ومسارها من ساحة الشهداء إلى مقر المجلس الشعبي الوطني، فكنا نشرف على حسن سيرها والتنسيق مع الادارة. كانت ناجحة وكان العدد هائلا يتجاوز خمس مائة ألف امرأة ملأ كلا من شارع زيغود يوسف وشارع شي غيفارا الرابط بين ساحة الشهداء والبريد المركزي، فكانت لفتة مهمّة لازالت مسّجلة في تاريخ المرأة الجزائرية المسلمة.

ما الهدف بالضبط من المسيرة؟

كانت دفاعا عن ثوابت الأمّة وقانون الأسرة الذي هو مستمد وليس بالضرورة كلّه من الشريعة الإسلامية ولكن في الأغلب مستمد من الدين الإسلامي الحنيف من الفقه المالكي، أمّا القصد من الناحية السياسية أنّه كان لابد من رد على هذه الهجمة وإسماع الصوت الأصيل، والملاحظ أنّ هذه الأصوات التغريبية والعلمانية لها فضاءات واسعة ووسائل إعلام والذي يستمع إليها ويقرأها يحسب أنّها شرائح تمثّل أغلبية، ولو نظرنا إلى الواقع لوجدنا أنّها لا تمثل الشيء الكبير، لأن الأغلبية كانت مع التوجه الإسلامي والأصالة والمحافظة التي عليها إخواتنا وأمّهاتنا وجدّاتنا.

الآن بعد 23 سنة ما هو شعورك وأنت ترى السيدة خليدة تومي التي تتحدث عنها وزيرة للثقافة؟

أحب التذكير بحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "كان النّاس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر خشية أن أقع فيه، قلت: يا رسول الله قد جاء الله بك وبهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر فقال نعم، فقلت يا رسول الله فهل بعد الشر من خير، قال: نعم". أملنا في الله كبير أن يهيئ للأمة أمر رشد وتتغير الأمور إلى الأحسن وهذه سنّة الحياة والتدافع، وحقيقة يأسف الإنسان لهذه التغيرات التي أجريت في غياب الشعب الذي لا يشارك في صناعة القرار، فالتمثيل الشعبي يتم بالتزوير، فهم اعتنموا الفرصة، لأنّه لو أجريت انتخابات نزيهة بتمثيل شعبي حقيقي لردّت الكلمة إليه، ولاختار قراراته بكل حريّة. وحتى من ذكرت في انتخابات91 التي كانت حرة ونزيهة فقد ظهر كل واحد بحجمه الحقيقي.

نعم موجود في الصور، ما هي مناسبته؟

بعد اعتماد الجبهة والرئيس كان قد دعا إلى إصلاحات وتغييرات وأقرّ قانون الأحزاب، إلا أنّنا لم نكن ندري تفاصيل مسار الاصلاحات وإلى أين تسير الأمور.

فطلبتم لقاء الرئيس؟

نعم قدّمنا طلبا مكتوبا باسم الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى رئاسة الجمهورية وانتظرنا الرّد حتى حدد الموعد يوم السبت 8 جانفي 90 وأخبرني به الشيخ عبّاسي فذهبنا إلى هناك.

كيف تم اختيّار الوفد الذي يتوجه إلى الرئاسة؟

الموعد جاء بسرعة والشيخ علي بن حاج كان على علم باللقاء لكن لم يذهب. ولمّا أخبرني الشيخ عبّاسي بالموعد علمت أن الرئاسة ضيقت الموعد وكان الإخوة على علم بالطلب المقدم والتساؤل المطلوب كجدول للإصلاحات وغيرها.

ذهبت أنت مع عباسي؟

نعم واستقبلنا في ذلك الوقت قرطبي مدير التشريفات، ثمّ جاء العربي بلخير وأخبرنا بانتظاره مليا وبعدها استقبلنا الرئيس الشاذلي الذي تناول الكلمة فاسهب في عرض افكاره ونظرته للمستقبل فاستمعنا إليه.

ألا تتذكر ما قاله؟

مر على هذا 23سنة، ولكن هو أشعرنا بجدّيته في هذا الإصلاحات السياسية منها والاقتصادية، وأنّ هناك انتخابات وبعدها تناول الشيخ عبّاسي الكلمة وعرض تصور الجبهة الإسلامية وأبدى توافقا مع عرض الرئيس، فشعرنا أنّ هناك آفاقا وأملا، فكان شيئا مطمئنا ودام اللقاء أكثر من ساعة.

كـان لقاء ودّيا إذن؟

كان لقاء طيبا هادئا جدا وهو أوّل استقبال لحزب منذ بداية التعددية.

لكنه استقبل أحزابا اخرى بعد ذلك؟

كان يستقبل حزبين كلّ يوم فاستقبل بعض الأحزاب التي اعتمدت مؤخرا.

وعند عودتكم إلى المجلس هل قدّمتم التقرير للمجلس؟

نعم قدمنا التقرير للمجلس الشوري وبعدها كان التحضير للانتخابات المحلية.

هل وجدتم صعوبة في اتّخاذ قرار المشاركة؟

لم يكن كلّ النّاس موافقين على الدخول في الانتخابات.

من بالضبط كان ضد المشاركة في الانتخابات؟

لا أذكر ذلك، لكن كانت هناك جلسات في المجلس الشورى أولى وثانية وثالثة وهناك من قال بالتريث وليس من الضرورة أن ندخل ووجد من ينظر إلى ذلك من الناحية الشرعية بقوله أنّ النظام لا يحّكم الشريعة الإسلامية، فكيف ندخل تحته في البلديات والولايات وهنا كتب الشيخ علي بن حاج عن ذلك في المنقذ.

كان يرى بالدّخول؟

هو وازن بين الآراء وكتب في المنقذ موضوع كشف النقاب عن حكم الانتخاب وكان أسلوبه علميا يعطيك الرأي والرأي الآخر، ثمّ رجّح في ذلك الدخول إلى الانتخابات لوجود مصالح معيّنة، منها أنّ الشعب ضحى في أحداث أكتوبر وقدّم ما عليه والجبهة تأسست والتحق النّاس بها فلا نبقى نتفرج على من يسيّرون البلديات والولايات ونحن نحتج؛ فمن الواجب أنّ نسعى لتقديم النفع للشعب بجلب المصالح له ودفع المفاسد عنه ويوسف عليه السلام قال للعزيز "قال اجعلني على خزائن الأرض إنّي حفيظ عليم".

اتخذ القرار بالتصويت؟

قرارات المجلس الشوري في الغالب تتّخذ بالأغلبية واتّخذ القرار فكنّا في سباق مع الزمن، لأن أغلب البلديات لم تستكمل تنصيب مكاتبها التنفيذية، فبعض الولايات فيها بلديات كثيرة كتيزي وزو مثلا فيها 67 بلدية وسطيف 60 والمدية 64 وتلمسان 53 ويلزم في كل بلدية المكتب التنفيذي البلدي أولا، فكانت المهمّة صعبة جدا لمحاولة تغطية ما أمكن.