ترميم العظام وهي رميم

date 2016/10/13 views 1318 comments 3

وضعنا اليوم، رغم التطمينات الكثيرة التي لا تطمئن أحدا، أشبه ما يكون بوضع الخلافة العثمانية في بداية القرن الـ20، حتى إنه يبدو أننا ننتقل من "الرجل المريض" إلى "الرجل الراحل"، الذي لا يفكر أبناؤه إلا في تركَته التي يكون قد تركها ويتهرّبون من دفع الديون التي تركها قبل أن يترك الدنيا.. البلدان العربية كلها تعاني من هذا المرض؛ مرض الشيخوخة الذي قد يؤدي إلى زوال كثيرٍ من الدول التي عرفناها بعد سيكس بيكو.. نحن في وضع شبيه بعهد ما قبل الحرب العالمية الأولى، وحرب ثالثة غير مستبعَدة في هذا الجوّ المشحون بالصراعات الداخلية المغذاة من الخارج.

سوريا والعراق واليمن وليبيا، نماذج لهذا الإعصار القادم الذي قد يقلب الطاولة على الجميع في المنطقة، ووضع سوريا هو الفتيل المفجِّر، إذا لم يحدث انفراج ـ وهو مستبعد في الوقت الحالي ـ بين الروس والأمريكان لحلحلة الوضع، لأن الوضع هناك بات بين أيدي الأجانب نهائيا.

تركيا التي اصطفت مع الروس مؤخرا، تعزز قوتها ليس في سوريا فحسب، بل في العراق أيضا، والروس الذين يهددون بالبقاء في طرطوس وحميميم واللاذقية إلى الأبد، هو تهديدٌ صريح للأمريكان، بأن الاعتداء على نظام بشار هو اعتداء مباشر على روسيا، وهذا معناه إعلان حالة النفير بين القطبين!

في كل هذا، ما يحدث عندنا في الجزائر، هو هذا اللهث والطمع في ترتيب بيت مخرَّب أصلا، ترميم العظام وهي رميم! فالمسألة ليست قوانين وبرامج ومؤسسات ووزراء يتحركون وأحزابا "تهدر" أكثر مما تفعل.. المشكل يكمن في شعور الشعب بالحياد السلبي إزاء ما يحدث وكأنه يعيش في قارة والحكومة والسلطة في قارة أخرى.. الشعب غير آبهٍ بما يعمله رجال "العمايل"، لكن سكوته هذا ليس "علامة الرضا"، بل معناه الرفض باللامبالاة؛ لامبالاة تبدو سلمية وإيجابية بالنسبة إلى النظام، لكن، عندما يستفيق المواطن على الموس وقد وصل إلى العظم، سيستدير لنهش من لم يلبِّ له أبسط مطلب، وهو العيش، وهذا قادم ولو بتثاقل، ولن يكون الوضع القائم قائما بعد 2030.

نمتُ على هذا التخوف من سياسية الهروب إلى الأمام، وعدم تجديد الدم في شريان الأجهزة المؤسساتية، لأجد نفسي راعيا مع الرعاة لقطيع من المواشي على الحواشي، كل فينا يغني على ليلاه ويزمِّر على مولاه.. الكلاب تنبح والنعاج تسرح، ولا شيء يعكر صفو الجو العام.. السماء غائمة قليلا، مما قد ينبئ بموسم معشوشب أحسن من ملعب 5 جويلية. 

في المدينة، الموالون أصحاب القطعان، تطاولوا في البنيان: شيَّدوا العمارات الشاهقات، حتى في الجبال الشامخات، في الوقت الذي كان فيه الفقراء يشهقون من فرط الهول والإعجاب من الشناوة الذين بنوا للرعاة القدماء ناطحات السحاب وإرم ذات البريج، التي لم يُبنَ مثلها في الخليج! تمدَّنوا في العمارة، وركبوا المرسيدس بعد الحمارة، ولبسوا "الألباغا" بعد أن نزعوا الدربالة! مُلاك المدن، لا يعرفون الرعاة من هم؟ ولا الرعاة يعرفون جد أسيادهم أين هم؟ لكن الذئاب كانت هنا كما كانت هناك، كلابنا "تهر" أكثر ما تنبح، وكلابهم تحولت إلى قطط! وحصل أن هجمت علينا قطعان من الذئاب والكواسر التي لا ندري من أين جاءت؟ وحصل ما لم يكن في الحسبان، حين وصلت الذئاب إلى المدن واستقبلتها كلابُهم بأمان!

وأفيق وأنا غير آمنٍ حتى على الأمان.

  • print