نحن.. والانتخابات الأمريكية..!

date 2016/11/18 views 3174 comments 9

جزع وفزع، غضب وصخب، بكاء ورحاء، مظاهرات واعتصامات، تلك هي ألوان المشهد السياسي، الأمريكي والعالمي، بعد إعلان فوز الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية.

وأيا كانت عواقب انتخاب من تصفه الصحافة بالولد الشقي Bad-Boy، وأيا كانت خطورة المفاجأة التي أحدثتها الانتخابات الأمريكية، فإن إخضاع هذه النتائج للتحليل والتعليل، قد بات أمراً ضرورياً، خصوصاً بالنسبة لنا كعرب وكمسلمين.

ماذا يمكن استخلاصه من نتائج يمكن أن ننزلها على واقعنا العربي الإسلامي المتردي، في علاقته بأمريكا، في ضوء فوز هذا الرمز للعنصرية والإقصاء، داخل مجتمعه، فكيف بع مع العرب والمسلمين؟

إن مما لا نشك فيه، أن المتابع للحملة الانتخابية التي دارت بين المرشحين لرئاسة الدولة العظمى ليشعر بالمزيد من الخوف، من الشعارات المرفوعة من المرشح الفائز، فقد تميزت بشعار "أعيد لأمريكا عظمتها السالفة" وبالطبع على حساب المبادئ التي نادى بها الزعيم أبراهام لنكلن، وأمثاله لتحرير أمريكا، من عقدة الميز العنصري، وإقامة دولة العدل والمساواة التي حاول، وفشل في تطبيعها باراك أوباما.

إنه بغض النظر عن أن دونالد ترامب صاحب الحملة الانتخابية الاستفزازية، العنصرية، الإقصائية، سوف تختلف عنه كرئيس، لقيادة الجميع كما صرح بعد انتخابه، ولكن تعالوا بنا إلى قراءة متأنية، دقيقة وعميقة، لهذه الانتخابات الأمريكية، منذ الحملة إلى إعلان النتائج.

إن ما لا نشك فيه، أن فوز دونالد ترامب، قد فاجأ الجميع، بدءاً بالمحللين السياسيين، وانتهاء بمخابر سبر الآراء، مما يعني سقوط المنهج العلمي، أمام المنهج الفوضوي الشعبي، الذي لا يستند إلى منهج، ولا يقوم على قانون؛ ويمكن في ضوء ذلك استخلاص النتائج الآتية:

1- إن فوز ترامب، يعني بداية تجسيد نظرية صدام الحضارات، التي وضعها صمويل هنتكتن فلسفياً، وبررها الرئيس الجديد من خلال الشعارات التي رفعها في حملته الانتخابية.

2- إن الخطورة تكمن –بعد فوز الرئيس الجديد- في ائتمانه على السلام العالمي، بوضع السلاح النووي الأمريكي والعالمي بين يديه.

3- إن دونالد ترامب، سواء من خلال الماضي المضطرب الذي ميز حياته، أو المستقبل الغامض الذي يبشر به، هو حادثة في تاريخ أمريكا، والإنسانية قاطبة.

4- إنه ليمكن القول، إن هذا الفوز، تدشين بداية الربيع الأمريكي الأسود، الذي يعني بداية العد التنازلي للولايات المتحدة الأمريكية، التي إن طبقت سياسة دونالد ترامب كما بشر بها في حملته الانتخابية، فإنها تعلن الوداع لحقوق الإنسان عامة، وخاصة حقوق الأقليات الإثنية، والثقافية، والطائفية، وهو ما ظل يمثل عنصر القوة في دولة الولايات المتحدة الأمريكية.

5- إن فوز ترامب، بفضل القوى الصامتة، التي ظلت محايدة في عمليات سبر الآراء، والتي تضم المهمشين والمنبوذين، والعنصريين، والمضطربين نفسياً، إن هذا الفوز لم يتحقق بعامل شخصية ترامب، بقدر ما جاء حكماً قاسياً، على سياسة الحزب الديمقراطي بزعامة باراك أوباما، الذي فشل في ما وعد به، وخاصة في حملاته الانتخابية المتعاقبة.

6- إن الدرس الذي نتعلمه من الانتخابات الأمريكية، هو أنه لا أحد احتج على نزاهة الانتخابات، وهي نقطة قوة، بغض النظر عن الفائز أو الخاسر.

والحقيقة التي لا مراء فيها، هي أن الخائفين في معسكرنا العربي الإسلامي، على قضاياهم من فوز الرئيس السابع والأربعين، هم واهمون، فالسياسة الأمريكية، لا يضعها الرئيس المنتخب، وإنما تضعها قوة خفية، تصنع الخطوط العامة للسياسة الأمريكية، وتتمثل هذه القوى، في اللوبي الاقتصادي، بقيادة رجال الأعمال، ومنهم دونالد ترامب، واللوبي الإيديولوجي النافذ في الولايات المتحدة، والمتمثل في اللوبي الصهيوني، الذي يضع يده على الأموال، وعقله على المصير والمآل.

لذلك نعتقد أنه لن يطرأ أي جديد على قضية فلسطين، بالذات لصالح أصحاب القضية العادلةالعادلة، بل إن الخوف هو أن يلجأ القادم الجديد إلى البيت الأبيض، على المزيد من المواقف الاستفزازية للعرب، مثل نقل سفارة بلاده إلى القدس، وبالتالي القضاء على حلمنا، في أن القدس هي عاصمة الدولة الفلسطينية المستقلة، كما أنه سيزيد من تعميق سياسة الانقسام داخل المعسكر العربي والإسلامي، ليشغلنا أكثر، عن قضية فلسطين، والتضامن العربي.

إن سياسة الوافد الجديد، على الرئاسة الأمريكية، إن لم يثنه عقلاء قوم عن تطبيق سياسته الاستفزازية التي ضمنتها شعارات حملته الانتخابية، سيمثل لأول مرة، خطراً على النوع البشري بكامله، فقد انقضى –في تصورنا- عهد التلويح بالقوة والعنصرية، والطائفية، تحت أي غطاء كان، إذ انتهى عهد النازية، والاستبدادية، وأذن مؤذن حقوق الشعوب في بسط سيادتها على أراضيها، وامتلاكها لحق ممارسة شؤونها المختلفة، بعيداً عن أي تدخل أجنبي.

وإن عظمة أمريكا التي يريد ترامب أن يعيدها لبلاده، كما يدّعي، تبدأ بسحب كل الجيوش الأمريكية من البلاد الأجنبية خدمة لأمريكا نفسها، وفتحاً لآفاق التعاون السلمي، مع كل شعوب العالم، فيذلك فقط يمكن أن تستعيد أمريكا عظمتها، وهيبتها، واستقرارها. كما أن القضاء على فوضوية بيع السلاح واستعماله داخل أمريكا، هو الخطر القائم، في وجه استقرار العدل والأمن، والطمأنينة بين كل الفئات والمؤسسات.

أما، نحن، فإن موقفنا من الانتخابات الأمريكية، يجب أن يحكمه الوعي بقدرتنا على الوحدة، والثقة في أنفسنا، في تحصين ذاتنا على أكثر من صعيد، وسواء في نظرنا أن ينجح الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، فإن ذلك شأن داخلي، يخص المواطن الأمريكي وحده، ولا يخصنا من قريب أو من بعيد، فداؤنا فينا، ودواؤنا أيضاً فينا.

لقد جمع الأحزاب حولي                  وبقتلي تحدثوا

لا أبالي بجمعهم                         كل جمع مؤنث

  • print